تتراجع فرص إحداث خرق دبلوماسي يوقف التصعيد في جنوب لبنان، في مقابل مؤشرات ميدانية توحي بأن إسرائيل ماضية في عملياتها العسكرية، وسط عجز داخلي عن حسم ملف السلاح، وغموض يحيط بمستقبل القوة التي يمكن أن تحلّ مكان "اليونيفيل". وفي ظل هذا الانسداد، يُحذّر المراقبون من أن استمرار الوضع على حاله قد يفتح الباب أمام واقع عسكري طويل الأمد قد يمتد لسنوات. ويرى العميد المتقاعد جورج نادر أن تأجيل الاجتماع اللبناني - الإسرائيلي الذي كان مقرّراً في روما منتصف أيلول، والحديث عن موعد آخر في تشرين الثاني المقبل من دون تحديده، "يعكسان تعثّراً في الحراك الدبلوماسي، رغم الإصرار الأميركي على إبقاء هذا المسار ناشطاً بوصفه مدخلاً لمعالجة الأزمة". ويربط نادر، في حديثه لـ "ليبانون ديبايت"، بين هذا التعثر وملف دعم الجيش اللبناني، مشيراً إلى مؤتمر التحضير لدعم الجيش في فرنسا والمواقف الأميركية والسعودية، ومعتبراً أن الرسالة باتت واضحة، عدم تحرّك الدولة اللبنانية لحسم مسألة سلاح "حزب الله"، على الأقل في المناطق التي ينتشر فيها الجيش، سينعكس على المساعدات المرتقبة للمؤسسة العسكرية، وبالتالي على الانسحاب الإسرائيلي. ويتساءل: "ماذا يعني أن يكون لدينا جيش قوي؟ هل المطلوب أن يدخل الجيش في حرب مع حزب الله؟"، معتبراً أن الملفات باتت مترابطة، وأن الأنظار تتّجه إلى ما ستقوم به الحكومة اللبنانية في ملف نزع السلاح، ولا سيما في مناطق انتشار الجيش والمناطق التجريبية التي لم يُنجز فيها ذلك. لكن نادر يرفض، في الوقت نفسه، تحميل الجانب اللبناني وحده مسؤولية ما يحصل، معتبراً أن "الأهداف الإسرائيلية تتجاوز السيطرة العسكرية على الأرض". ويشير إلى أن إسرائيل تواصل "التجريف وإزالة القرى والمعالم والبنى التحتية، فوق الأرض وتحتها"، لافتاً إلى أن تدمير المنازل في مناطق خالية من السكان لا يمكن تفسيره بالحاجة العسكرية إلى احتلال الأرض وحدها. ويضع ذلك في إطار احتمالين: "إما وجود نيّات استيطانية، وإما السعي إلى إبقاء المنطقة مدمرة لمنع السكان من العودة إليها والحؤول دون إعادة تمركز حزب الله فيها، بما يسمح له بتشكيل تهديد لإسرائيل مستقبلاً". وأمام هذا الواقع السياسي والعسكري، يرى نادر أن الخيارات المتاحة أمام لبنان محدودة. أولها أن يقتنع "حزب الله" بأن سلاحه لم تعد لديه وظيفة في مواجهة إسرائيل ويتخلى عنه، وهو خيار يعتبره نادر "الحل الأمثل" الذي يدفع المجتمع الدولي باتجاهه، لكنّه يستبعده في المرحلة الحالية، مؤكداً أنه مرفوض من الحزب. أما الخيار الثاني، فهو أن تتولى الدولة اللبنانية بنفسها نزع السلاح، وهو مسار يقرّ نادر بأن له كلفة كبيرة، في مقابل سيناريو آخر يتمثل في أن تتولى إسرائيل هذه المهمة بقوتها العسكرية ووفق شروطها وجهوزيتها. ويحذر من "أن نتائج الخيار الأخير ظاهرة في الجنوب، من خلال القرى المدمرة وحجم الخسائر البشرية والأضرار التي خلّفتها العمليات العسكرية". وفي المقابل، يشكك في قدرة الدولة اللبنانية على تنفيذ عملية نزع السلاح بنفسها، ما يعني، وفق تقديره، استمرار المراوحة وتعثر المفاوضات وبقاء الخطوط الحمراء القائمة. ويضيف نادر عاملاً آخر إلى المشهد يتمثل في الانتخابات الإسرائيلية، معتبراً "أن الوضع على الحدود مع لبنان سيكون أحد الملفات المؤثرة داخلياً، وأن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو سيحاول استثماره إلى أقصى الحدود، وهو ما يدفعه إلى استبعاد التوصل قريباً إلى حل عبر الوفود والمفاوضات". في موازاة ذلك، يطرح انتهاء مهمة "اليونيفيل" سؤالاً عن اليوم التالي في الجنوب. لكن نادر يشدّد على أن "القوة الدولية لم تكن، حتى خلال وجودها، قادرة على حل جوهر المشكلة، لأن صلاحياتها تندرج تحت الفصل السادس لا الفصل السابع". ويقول إن مهمتها تتيح لها "المراقبة والإبلاغ" أكثر مما تسمح لها ،"بفرض الوقائع بالقوة"، مشيراً إلى أن "حزب الله" تمكّن خلال وجودها من بناء الأنفاق والبنى التحتية، من دون أن تتمكن القوة الدولية أو الأمم المتحدة من منع ذلك. ومع ذلك، يرى نادر أن أهمية "اليونيفيل" تكمن في منح الوجود الدولي في الجنوب غطاءً وشرعية أممية، إضافة إلى دورها في تخفيف وطأة التوتر والأحداث، "لكنها لا تحل المشكلة". أما القوة البديلة، فلا تزال صورتها غامضة. ويلفت إلى تداول طروحات عدة، وإلى طلب رسمي لبناني قُدّم إلى الأمم المتحدة، إضافة إلى الحديث عن قوة متعددة الجنسيات تضم دولاً أوروبية أو عربية، لكنه يؤكد أنه "لا شيء مضمون حتى الآن"، وأن مستقبل القوة التي يُفترض أن تحلّ مكان "اليونيفيل" لا يزال مبهماً. وفي قراءته للسيناريو العسكري، يعتقد نادر أن إسرائيل تتجه إلى مواصلة عملياتها ووجودها العسكري "حتى النهاية"، مستنداً إلى تصريحات مسؤوليها السياسيين والعسكريين التي تربط إنهاء الوضع القائم بال