من روايات تربط العبرانيين ببناء أهرام الجيزة إلى نسب الفلافل لـ إسرائيل، تتكرر محاولات وضع عناصر من التراث المصري في سياقات أخرى، عبر سرديات تُسوّق دولياً وتكتسب حضوراً مع تكرارها. وتمتد هذه المحاولات من رواية شائعة تزعم أن العبرانيين بنوا أهرام الجيزة خلال وجودهم في مصر، رغم افتقارها إلى الدليل التاريخي، وصولاً إلى قرص الطعمية، أو الفلافل، أحد أشهر الأطعمة الشعبية في البلاد. ويتحدث باحثون عن محاولات متكررة لإعادة نسب قصص شعبية ومأكولات وعناصر فنية وثقافية متنوعة. وفي السنوات الأخيرة، كثّفت القاهرة اهتمامها بهذا الملف، بالتوازي مع تحركات الجهات المعنية لاستعادة القطع الأثرية التي هُرّبت خارج البلاد بصورة غير قانونية. يقول أستاذ التاريخ والتراث في جامعة قناة السويس الدكتور عمرو منير لـ"النهار" إن "الاستحواذ على التراث يبدأ أحياناً بتغيير الاسم والصورة التي تصل إلى العالم، سواء كان العنصر طبقاً شعبياً أو زياً أو رقصة. ومع تكرار تقديمه خارج سياقه، يتحول تدريجياً في الوعي العالمي إلى جزء من هوية أخرى. هنا تكمن خطورة القضية؛ فنحن أمام صراع على الذاكرة وعلى من يملك حق رواية تاريخها". ويضيف العضو السابق في لجنة التراث الثقافي والفنون الشعبية بالمجلس الأعلى للثقافة في مصر أن "هذه الظاهرة تتجلى في الطعام الشعبي والأزياء والتطريز والحرف والموسيقى والرقص والرموز التراثية". ويلفت منير إلى أن "ثمة دراسات أكاديمية ناقشت مفهوم الاستحواذ الثقافي وإعادة نسب التراث، ويأتي الجدل حول الحمص والفلافل ضمن أشهر الأمثلة في المنطقة". منذ تسعينيات القرن الماضي، تعمل القاهرة على مشروع "أطلس المأثورات الشعبية المصرية"، الذي يشكّل موسوعة لتوثيق عناصر التراث غير المادي في المحافظات المختلفة. ويتبع هذا المشروع القومي الهيئة العامة لقصور الثقافة، فيما تتواصل جهود أخرى لتعزيز حماية التراث المصري. ويقول منير إن "الوثيقة هي الفيصل في التراث المصري تحديداً. كل عنصر يحتاج إلى ملف تاريخي يجيب عن أسئلة واضحة؛ متى ظهر؟ وأين ورد أقدم ذكر له؟ وماذا كان يُسمى؟ ومن كان يمارسه؟ وماذا تقول عنه المخطوطات وكتب الرحلات والصحف والصور وكتب الطبخ والتسجيلات والروايات الشفوية؟ بهذه الأدلة نستطيع تتبع الأصل ومسار الانتقال والتحول، بعيداً من الشعارات". الكشري أحد أشهر الأكلات المصرية ويلفت منير إلى نقطة محورية تتعلق بمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة، موضحاً أن "إسرائيل ليست طرفاً في اتفاقية عام 2003 لصون التراث الثقافي غير المادي، والحديث عن تسجيل الحمص أو الفلافل باسمها في قوائم هذه الاتفاقية غير صحيح". ويفرّق بين قوائم التراث غير المادي وقائمة التراث العالمي، مضيفاً أن "لإسرائيل 9 مواقع على قائمة التراث العالمي، والقدس ليست بينها، إذ أُدرجت مدينة القدس القديمة وأسوارها عام 1981 بناءً على اقتراح الأردن". ويشير منير إلى أن "تسجيل الكشري المصري عام 2025 يكشف قيمة المبادرة إلى التوثيق قبل أن تبدأ معارك النسب والهوية. وما نحتاج إليه اليوم هو أرشيف وطني رقمي للتراث المصري، وحصر سريع للعناصر المهددة، وملفات علمية موثقة، وحضور أكبر في اليونسكو، ونشر دراساتنا بلغات العالم". ويختتم بأن "المعركة الحقيقية على التراث تُحسم بالدليل؛ فالذاكرة التي لا تُوثّق تترك للآخرين مساحة أوسع لإعادة روايتها".