تشهد ألمانيا أسرع عملية لإعادة بناء قوتها العسكرية منذ عقود. تحوّل فرضه الغزو الروسي لأوكرانيا والحاجة الأوروبية إلى تعزيز الردع، بعدما أمضى حلفاء برلين سنوات يطالبونها بتحمّل حصة أكبر من أعباء الدفاع. لكن ما كان مطلباً أوروبياً يتحوّل تدريجاً إلى مصدر تساؤلات. فالقوة الاقتصادية الأولى في القارة تتجه أيضاً إلى امتلاك ثقل عسكري يوازي وزنها المالي والصناعي، في وقت يتراجع فيه الدور الأميركي وتتصاعد فيه شعبية حزب "البديل من أجل ألمانيا" اليميني المتطرف. وقد وضع المستشار فريدريش ميرتس هدفاً واضحاً يتمثل في جعل الجيش الألماني أقوى جيش تقليدي في أوروبا. وفي 2025 وحده، أبرمت ألمانيا طلبيات عسكرية بنحو 85 مليار يورو، في مقابل 25 ملياراً لبريطانيا و21 ملياراً لبولندا، بحسب معهد كيل للاقتصاد العالمي. يعيد هذا التحول فتح نقاش أوروبي قديم عن موقع ألمانيا داخل القارة وحدود القوة التي يمكن أن تجمعها دولة تتمتع أصلاً بأكبر اقتصاد أوروبي. فبعد الحرب العالمية الثانية، تطورت القوة العسكرية الألمانية ضمن إطار الناتو بقيادة الولايات المتحدة. وبعد انتهاء الحرب الباردة، ركزت ألمانيا الموحدة على قوتها الاقتصادية، فيما ظل دورها العسكري أكثر تحفظاً من وزنها السياسي والمالي. غير أن الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا غيّر هذه المعادلة وأطلق أكبر عملية إعادة تسلح ألمانية منذ سقوط جدار برلين. ولا يقتصر التحول على زيادة الإنفاق. فقد ذهبت حصة متزايدة من الطلبيات الدفاعية الألمانية إلى الشركات المحلية، بما يعزز في الوقت نفسه القاعدة الصناعية العسكرية للبلاد. وهذا البعد تحديداً يثير نقاشاً أوسع عن موقع الصناعة الألمانية مستقبلاً داخل منظومة الدفاع الأوروبية. وتظهر الحساسية بصورة خاصة في فرنسا وبولندا. فباريس راكمت لعقود ثقلاً عسكرياً داخل أوروبا يستند إلى ترسانتها النووية وقدراتها على الانتشار الخارجي، في مقابل الثقل الاقتصادي الألماني. أما في بولندا، فتتداخل الاعتبارات الأمنية الراهنة مع ذاكرة تاريخية تجعل أي توسع كبير للقوة العسكرية الألمانية موضع متابعة دقيقة. وتصبح المعادلة أكثر تعقيداً مع اتجاه الولايات المتحدة إلى إعادة النظر في حجم انتشارها العسكري في القارة. فأوروبا تحتاج إلى قوة ألمانية أكبر لردع روسيا، لكنها تحتاج في الوقت نفسه إلى تحديد مكان هذه القوة داخل بنية دفاعية أوروبية لا تتحول فيها برلين إلى مركز الثقل شبه الوحيد. ويرى المؤرخ العسكري والمقدّم الفرنسي المتقاعد فنسنت أرباريتييه أن "الهدف غير المعلن لألمانيا هو أن تصبح النواة الأساسية لجيش أوروبي يضمّ مختلف الجيوش الأوروبية، على أن تربطها علاقات مميزة بالجيش الألماني". ويشير إلى أن "القوات البرية الهولندية، على سبيل المثال، باتت مدمجة بالفعل، جزئياً، ضمن وحدات عسكرية ألمانية كبيرة. وغالبية الجيوش البرية الأوروبية تستخدم أساساً معدات ألمانية، من بينها دبابات ليوبارد وبنادق HK". ويضيف أن "التهديد الروسي يشكل أيضاً ذريعة مناسبة لألمانيا للتحرر من آخر القيود المرتبطة بنهاية الحرب العالمية الثانية"، محذراً من أن "الجيش الفرنسي، بوصف فرنسا من الدول المنتصرة في الحرب العالمية الثانية، قد يتضرّر من هذا التحوّل". ويخلص أرباريتييه إلى أن "هناك خشية من حدوث اختلال في ميزان القوى العسكرية داخل أوروبا نتيجة هذا المسار، وإن كان احتمال تحقيق حزب البديل من أجل ألمانيا انتصاراً سياسياً قد يعيد هذا المسار إلى دائرة الشك". الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون والمستشار الألماني فريدريش ميرتس. (أ ف ب) فرنسا تراقب و"البديل" يضيف المجهول تظهر سرعة التحول بوضوح في أرقام الإنفاق. ويقول الدكتور في الجغرافيا السياسية رامي أبو دياب لـ"النهار" إن "ألمانيا احتلت المرتبة الرابعة في الإنفاق العسكري العام الماضي، بعد الولايات المتحدة والصين وروسيا، بحسب ما نشر معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام في نيسان/أبريل". وبلغ الإنفاق العسكري الألماني 114 مليار دولار في 2025، بزيادة 24 في المئة خلال سنة، ما وضع ألمانيا للمرة الأولى منذ عقود في موقع متقدم جداً على خريطة الإنفاق العسكري العالمي. ويشير أبو دياب إلى أنه "منذ حرب أوكرانيا، شهدت ألمانيا تحولاً جذرياً، يمثل نقطة تحول استراتيجية هامة في أوروبا: تطوير إعادة تسليح الجيش الألماني. وقد رافق هذا التحول هدف معلن: جعل البوندسفير، الجيش النظامي الرائد في أوروبا بحلول عام 2029". وبحسب أبو دياب، يتعايش "نوعان من ردود الفعل في أوروبا: شعور علني بـ"الارتياح" في مواجهة "التهديد" الروسي، وشعور أكثر خفاءً بالخوف في ما يتعلق بالتاريخ، وخاصة الحرب العالمية الثانية". وتتركز هذه المفارقة بصورة خاصة في العلاقة الفرنسية - الألمانية. ويلفت أبو دياب إلى أن "فرنسا تُعاني من قلق استراتيجي لأن ا