انصب تركيز السياسة الأميركية تجاه لبنان في الأسابيع الأخيرة على نزع سلاح "حزب الله" المدعوم من إيران وهو ما دعا إليه اتفاق الإطار الثلاثي الموقع في حزيران الماضي، أما إعادة الإعمار بعد الحرب، وهي عنصر أساسي آخر في الاتفاق، فحظيت باهتمام أقل بكثير. في المؤشرات الأولية أن النهج الذي تتبعه بيروت حالياً في هذا المسعى قد يقوي "حزب الله" بدلاً من أن يهمّشه. فالحكومة تعتمد على ما يبدو على "مجلس الجنوب" لإدارة جزء كبير من هذه العملية. وهو مؤسسة وثيقة الصلة برئيس مجلس النواب نبيه بري زعيم "حركة أمل" والحليف السياسي الأول لـ"حزب الله". لتجنب هذه النتيجة وإرساء نموذج واضح لكيفية تعامل لبنان مع "حزب الله" وإعادة الأعمار والمساعدات الدولية، على السلطات أن تركز على تنسيق النهج الصحيح في أول منطقتين تجريبيتين أنشئتا بموجب "اتفاق الإطار" في زوطر الغربية وفرون. غير أن مخاوف رئيسية برزت بالفعل، أولها أن جهود نزع السلاح من "الحزب" التي يقوم بها الجيش اللبناني لا ترقى إلى ما يفرضه الاتفاق. ثانيها أن نموذج إعادة الإعمار الناشئ في الجنوب قد يساعد "حزب الله" على استعادة شعبيته. فمع تركز الجزء الأكبر من موارده المالية على إعادة بناء بنيته العسكرية المتضررة، لم يعد بمقدور "الحزب" تقديم المستوى نفسه من الخدمات المحلية التي قدمها في الماضي، فبات يراهن على نفاذه العميق إلى مؤسسات الدولة اللبنانية ودائرة بري السياسية لإحياء صورته. يعد مجلس الجنوب أداة رئيسية في هذا الصدد، إذ تسند إليه الحكومة بالفعل بعض الأنشطة المرتبطة بإعادة الأعمار. وهو ما قد يطرح مشكلات سياسية كبرى. لا يمكن لجهات التمويل الدولية أن تحلها بمجرد تشديد الرقابة المالية. هذا ما تقوله باحثة عربية في مركز أبحاث مهم في واشنطن، وتضيف أن مجلس الجنوب تأسس عام 1970 لتنفيذ احتياجات التنمية والإعمار في الجنوب وحصل على استقلالية مالية وإدارية غير معتادة في وقت كانت مساحات واسعة من المنطقة خارجة عن سيطرة الدولة الفعلية بسبب العمليات الواسعة للفصائل الفلسطينية المسلحة. لاحقاً أصبح مجلس الجنوب مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بحركة "أمل" وبرى. وبموجب عقود إيجار يعود تاريخها إلى 1985 استأجر المجلس مقره من "جمعية أمل لرعاية المحرومين"، وتجاوزت المدفوعات التراكمية له 20 مليون دولار على مدى 35 عاما. وهذا مثال واحد على سيطرة "أمل" و"حزب الله" من خلالها في البداية على مجلس الجنوب وعلى استفادتهما منه في آن واحد وهما اللذان يختاران أين تنفق أموال المجلس والمستفيدين منها. هل يتكرر خطأ عام 2006؟ تجيب الباحثة العربية نفسها، تتضح المشاكل بشكل أكبر عند استحضار تداعيات حرب 2006، ففي ذلك الوقت موّلت إيران تعويض المجتمعات المحلية المتضررة من ذلك النزاع، وخاصة المناطق الشيعية في الجنوب. وبينما موّلت الدول العربية الجزء الأكبر من إعادة الأعمار الشاملة في لبنان. الأهم من ذلك أن "حزب الله" و"حركة أمل" كانا الوسيطين المحليين في الحالتين، حتى إن كثيرين من السكان نسبوا الفضل في إعادة إعمار بلدهم إلى "حزب الله" لا إلى العواصم الخليجية. أدركت واشنطن هذه المشكلة في شباط 2006 حين أدرجت وزارة الخزانة الأميركية "جهاد البناء" التابع لـ"حزب الله" على قوائم العقوبات لأن الجماعة الإرهابية كما تسمى كانت تستخدمه لتلبية "احتياجاته الانشائية الخاصة فضلاً عن استقطاب الدعم الشعبي من خلال تقديم خدمات البناء المدنية". اليوم تخضع إيران لضغوط مالية كبيرة ولا تستطيع إنقاذ "حزب الله" مرة أخرى. لكن إذا قرر المجتمع الدولي ولبنان تكرار طريقة إعادة الإعمار السابقة في 2006 فستكون النتيجة واحدة وهي "حزب الله" أكثر قوة. هل من توصيات سياسية؟ إذا نفذت إعادة الأعمار بشكل صحيح فبإمكانها أن تعيد بناء الثقة بين الحكومة ومواطنيها. أما إذا نفذّت بشكل خاطئ فتفرز الفاعلين المفسدين وتمهد الطريق لجولة جديدة من النزاع. من مصلحة أميركا أن تتأكد من أن بيروت تسلك المسار الأول. ولا تحتاج واشنطن إلى التعهد بتمويل مباشر لإعادة الأعمار إذ بإمكانها ممارسة نفوذ كبير غير مباشر. فهي أكبر المساهمين في البنك الدولي وتتمثل بتمثيل تصويتي واسع وصلاحيات نقد ومدير تنفيذي خاص بها في مجلس إدارة البنك الدولي للإنشاء والتعمير ويمكن لأميركا أن توجه دول الخليج والشركاء الأوروبيين لاعتماد الضمانات نفسها. ما هي معايير إقدام أميركا على مساعدة لبنان في هذا المجال؟ أولها نظام تسليم بقيادة الدولة عبر مجلس الانماء والإعمار جهة منفذة. على أن تشارك الوزارات اللبنانية المعنية كوزارات الأشغال العامة والتربية والطاقة بصفتها شركاء. يجب أن تتحول المساعدات الأجنبية بوضوح عبر الدولة اللبنانية، وتحديداً بموجب قواعد لا لبس فيها تمنع "أمل" و"حزب الله" من العمل كوسيطين. يمكن لمجلس الجنوب أن يقدم معلومات محلي