أمام الجنرالات والقادة العسكريين في لبنان، احتاجت شتوة أيلول المفاجئة إلى ساعات قليلة فقط كي تتحوّل طرقاتنا إلى ساحات معركة، بعدما تسبّبت الأمطار الغزيرة بالسيول وانجراف الأتربة وتعطّل حركة السير في أكثر من منطقة. ولعلّ هذه المفاجأة الجويّة البسيطة منحتنا مدخلا مثاليًا لمشاهدة أحدث الأفلام في صالات السينما، "Pressure"، الذي يبني كامل توتّره على حقيقة أكثر خطورة: حين تصبح الأحوال الجوية قادرة على تغيير مجرى التاريخ! في الساعات الـ72 السابقة لإنزال النورماندي، يجد الجنرال الأميركي دوايت أيزنهاور نفسه أمام قرار لا يكفي فيه التفوّق العسكري وحده. مئات الآلاف من الجنود والطائرات والسفن ينتظرون لحظة العبور، لكن السماء تحمل احتمال عاصفة قد تحوّل العملية إلى كارثة. في المقابل، قد يعني تأجيل الإنزال خسارة عنصر المفاجأة. هنا يحوّل المخرج الأسترالي أنتوني ماراس غرفة العمليات إلى حلبة صراع درامية، حيث تصبح الخرائط والتقارير والضغط الجوي أدوات تشويق لا تقل إثارة عن الرصاص والقصف والتفجيرات. الفيلم، المقتبس من مسرحية كتبها ديفيد هيغ، يتعمّد أن يكون فيلم حرب بلا حرب تقريبًا. معظم المعركة يجري داخل فضاء مغلق، في مواجهة بين العلم والسُّلطة، وبين الاحتمال والرغبة في اليقين. يقدّم الممثل أندرو سكوت، في دَور عالِم الأرصاد "جيمس ستاغ"، أداءً يعتمد على الاقتصاد التعبيري. فنظرة، أو صمت، أو ارتباك عابر، أو شدّ الفك، تصبح أكثر دلالة من خطاب طويل. وفي الجهة المقابلة، يمنح الممثل بريندان فريزر، أيزنهاور، حضورًا إنسانيًا هشًا خلف صلابة القائد، فتتحوّل المواجهة بين الرجُلَين إلى ثنائية درامية متميّزة حول مسؤولية اتخاذ القرار عندما لا تكون الحقيقة قابلة للضمان. سينمائيًا، يستفيد ماراس من التكوين المغلق والديكورات العسكرية والإضاءة الخافتة ليخلق إحساسًا متزايدًا بالاختناق. وتمنح اللمسة الخفيفة من اللون البنّي الداكن (Sepia) صورة الفيلم ملمسًا بصريًا يستحضر زمن الأربعينيات، فيما يعمل المونتاج والإيقاع على تحويل الانتظار إلى فعل مشحون بالتوتّر. قد يرى البعض أن الجذور المسرحية تجعل الحركة البصرية محدودة عادة، لكن هذه المحدودية أضحت، بنظرنا وفي لحظات كثيرة من الفيلم، جزءًا من الفكرة نفسها: الخطر ليس أمام الكاميرا، بل في القرار الذي يُتخذ خارج الإطار! هكذا ينجح "Pressure" في تذكيرنا بأن أهم المعارك قد تبدأ أحيانًا من السماء، لا على الأرض. فيلم يستحق أن يُعاش على الشاشة الكبيرة، في جميع صالات السينما اللبنانية.