خطوة الألف ميل تبدأ بخطوة. وربما تكون الخطوة التي يحتاج إليها لبنان اليوم أكثر من أي وقت مضى هي أن يتفق اللبنانيون على أن بناء الدولة القادرة والقوية والعادلة، هو القضية الوطنية الأولى. فلبنان أمام مرحلة لا تسمح بمزيد من إضاعة الوقت في تبادل الاتهامات، فيما تتغيّر المنطقة من حوله وتتبدّل موازين القوى، ويواجه هو تحدّيات تمسّ أمنه وسيادته ومستقبله. لقد آن الأوان للانتقال من سؤال «من المسؤول؟» إلى سؤال أكثر أهمية: ماذا يجب أن نفعل؟ فالاستمرار في تقاذف المسؤوليات بين القوى السياسية لا يحمي لبنان، كما أن تحميل فريق واحد مسؤولية الأزمات لا يعفي بقية القوى من مسؤوليتها الوطنية. المطلوب هو الانتقال إلى مرحلة التكافل والتضامن في تحمّل المسؤولية، لأن لبنان لا يمكن أن يخرج من أزمته إذا بقي كل طرف يبحث عن موقعه في الخلاف، بدلاً من البحث عن موقع الدولة في الحل. فإذا كانت الدولة هي الإطار الجامع لحماية لبنان، فإن الجيش اللبناني يجب أن يكون في قلب أي استراتيجية وطنية للأمن القومي. لا يعني ذلك اختزال الأمن القومي بالبُعد العسكري. فالأمن الاقتصادي والمالي والغذائي والطاقوي، والأمن السيبراني والاجتماعي، والقضاء والإدارة والسياسة الخارجية، كلها عناصر أساسية في قوة الدولة. لكن الجيش يبقى المؤسسة المركزية في حماية الحدود والدفاع عن الأرض، وفي ترجمة سيادة الدولة إلى قدرة فعلية على الأرض، كما لا يجوز أن نطلب من الجيش القيام بمهام تتجاوز إمكاناته. فإذا أردنا دولة صاحبة قرار، علينا أن نمتلك مؤسسة عسكرية قادرة على تنفيذ هذا القرار. من هنا، يجب أن يتحوّل دعم الجيش إلى قرار وطني مستدام. فالدعم العربي والدولي المتاح يجب أن يُستثمر في تطوير قدراته في التسليح والتدريب والاستطلاع ومراقبة الحدود والتكنولوجيا، بما يمكنه من القيام بمهماته بكفاءة أكبر. والاستفادة من الدعم الخارجي لا تعني الارتهان للخارج، متى بقيت الأولويات والقرار بيد الدولة اللبنانية. ومن عناصر بناء القدرة الوطنية إعادة النظر في خدمة العلم التي أُلغي العمل بها سابقاً. ففي الدول التي تواجه حروباً أو أخطاراً استثنائية، يشكل الاحتياط البشري جزءاً من منظومة الدفاع الوطني. ولبنان، في بيئة إقليمية مضطربة، يحتاج إلى نظام حديث للاحتياط والتعبئة يمكن اللجوء إليه عند الضرورة، وفق القانون وتحت سلطة الدولة. لكن خدمة العلم يجب ألا تُفهم باعتبارها مجرد رفد للجيش بالعناصر. إنها أيضاً وسيلة لترسيخ ثقافة المواطنة والانتماء الوطني، ويمكن إعادة تصميمها بصورة عصرية تشمل التدريب العسكري، والدفاع المدني، والإسعاف، وإدارة الكوارث والإنقاذ، وحتى الأمن السيبراني. فحين يلتقي اللبنانيون داخل مؤسسة وطنية واحدة، يتراجع تأثير الانتماءات الضيقة لمصلحة الانتماء إلى الدولة. الجنوب اليوم، يواجه لبنان استحقاقاً بالغ الخطورة مع المؤشرات المتعلقة بمستقبل اليونيفيل واحتمال عدم التجديد لها. وهنا لا يجوز أن يكون السؤال: هل تبقى اليونيفيل أم ترحل فقط؟ بل يجب أن يكون السؤال: ماذا بعد اليونيفيل؟ إن انتهاء مهمتها من دون بديل واضح قد يترك فراغاً لا يستطيع لبنان تحمل نتائجه، خصوصاً في ظل اختلال موازين القوى واحتمال تجدّد التوتر مع إسرائيل. هذا الأمر يرتب على لبنان أن منذ الآن، وبرعاية عربية ودولية، البحث في صيغة لقوة دولية جديدة، وفق الأصول والقوانين المرعية، وتكون صلاحياتها محددة وواضحة. الهدف ليس إنشاء قوة تحل محل الدولة، بل قوة تساعد الدولة على بسط سيادتها على كامل أراضيها، ودعم الجيش في مراقبة الحدود، وتأمين آليات تحقق ومراقبة واتصال دولية. والأهم إنشاء قنوات دولية مفتوحة وفعالة تستطيع التدخل السياسي والدبلوماسي السريع عند وقوع أي حادث، ولا سيما على الحدود مع إسرائيل، لمنع سوء التقدير وتحويل الحوادث إلى حرب جديدة. إن المظلة الدولية لا ينبغي أن تكون بديلاً عن السيادة اللبنانية، بل وسيلة لحمايتها إلى أن تصبح الدولة قادرة على ممارسة سيادتها كاملة. وفي مقاربة أخرى لبناء الدولة، يبقى اتفاق الطائف مرتكزاً أساسياً للنظام السياسي والدستوري الذي ارتضاه اللبنانيون بعد الحرب. وقد تكون هناك حاجة إلى إصلاحات وتطوير، لكن المدخل يجب أن يكون تطبيق الطائف واستكماله عبر المؤسسات والحوار، لا إسقاطه والدخول في فراغ دستوري جديد. أما في الجانب الدولي، فيبقى القرار 1701 أحد الأطر الأساسية المرتبطة بأمن الجنوب منذ حرب تموز 2006، فالواقعية السياسية تفرض الاستفادة من القرار ومن الآليات الدولية المرتبطة به، والبناء عليها في معالجة تداعيات الحرب ومنع تكرارها. استطراداً في بناء دولة قوية من خلال نظام سياسي لا ينتج الانقسام باستمرار. يقتضي إعادة النظر في القانون الانتخابي القائم على دوائر صغيرة حيث ساهم في تضييق مساحة الخطاب الوطني، وتعزيز الخطاب المذهبي وا