سقط نظام الأسدَين الأب والإبن. دخلت سوريا مرحلة انتقالية حرجة وسط تغيّرات إقليمية ودولية هائلة على المستويات السياسية والاقتصادية والأمنية. ولم يكن لبنان بعيداً من آثار السقوط وتداعيات المرحلة الجديدة في سوريا والمنطقة، بل كان في صلبها. إلاّ أنّ طريقة التعامل مع الواقع الجديد، اختلفت بين البلدين. الأمر الذي انعكس على خيارات المستثمرين، ومن بينهم اللبنانيين، الذين باتوا يرَون في سوريا أرضاً خصبة للاستثمار، في حين أنّ حكومتهم تُمعن في تقديم المزيد من العوامل الطاردة لرؤوس الأموال، إن على مستوى الضرائب والرسوم والعوائق القانونية، أو على صعيد غياب البنية التحتية الداعمة للإنتاج. ناهيك عن الوضع الأمني المفتوح على أفق مظلم. حَمَلَ أوسع وفد سياسي سوري يزور لبنان بعد سقوط الأسد، وعدد من رجال الأعمال، ما في جعبتهم من تقدّم شهدته سوريا على صعيد تسريع الخروج من تداعيات الانتقال نحو نظام جديد والتعامل مع المتغيّرات التي تعصف في المنطقة، وحطّت رحالهم في المنتدى اللبناني السوري للاستثمار 2026 الذي عقد في بيروت اليوم الأربعاء، وعَرَضوا خلاله الخطوات التي اتُّخِذَت على أكثر من مستوى، لضمان التعافي السياسي والاقتصادي، ولجذب الاستثمارات والخبرات المحلية والدولية. سوريا اليوم ليست في حالة كمال سياسي واقتصادي، لكنّها رغم ما تمرّ به، هي "في لحظة تاريخية فريدة"، وفق ما أكّده مدير التنمية والتخطيط في الصندوق السيادي السوري ياسر القحف، الذي أشار خلال المنتدى إلى أنّ "الأزمات في المنطقة تخلق أيضاً فرصاً بوتيرة متسارعة". ولمواكبة التسارع، يساهم الصندوق السيادي في "تأمين دخول أسهل للاستثمارات إلى سوريا"، إذ يشارك الصندوق بحسب القحف، في "إدارة التوقّعات للسوق السورية، وفي دعم الاستثمارات". وأثمرت جهود جذب الاستثمارات في "إنجاز الكثير من العقود والصفقات خلال العام ونصف العام الأخيرَين، في سوق يتحرّك بسرعة". التطوّر السريع في السوق السوري، التُمِس عبر جملة من المؤشّرات، منها "امتلاء المدن الصناعية"، على حدّ تعبير رئيس اتحاد الغرف الصناعية في سوريا، مازن ديروان، الذي لفت النظر إلى أنّ "المدينة الصناعية في دمش تتوسّع، والمدينة الصناعية في حلب زاد حجمها بنسبة 50 بالمئة". ولتطوير البيئة الاستثمارية، تعمل دمشق على "تفعيل الدور القانوني الجاذب للاستثمارات، وتقديم الحوافز، ومنها على سبيل المثال، الإعفاءات الضريبية التي يمكن أن تصل إلى 80 بالمئة"، وفق ما قاله في المنتدى، رئيس هيئة الاستثمار السورية رواد رمضان، الذي أشار إلى أنّ البنية التحتية جاهزة للاستثمارات، وخصوصاً في قطاع الطاقة، إذ أنّ "متوسّط التغذية ارتفع من نحو ساعتين إلى نحو 22 ساعة يومياً، وهناك عدالة في التوزيع. كما أنّ الكهرباء مؤمَّنة لكل المدن الصناعية". في الواقع الصعب الذي يمرّ به لبنان، تتّجه أنظار رجال الأعمال اللبنانيين نحو سوريا التي تفتح أمامهم أبواب الاستثمار. وبحسب رئيس الهيئات الاقتصادية محمد شقير، فإنّ المستثمرين اللبنانيين "مهتمّون جداً بالسوق السوري". وأكّد شقير في حديث لـ"المدن" أنّ "القطاع الخاص اللبناني لديه الإمكانيات. وزرنا سوريا في تموز ورأينا ما يفعله السوريون لتشجيع الاستثمارات، وخصوصاً على مستوى القوانين التي تتعلّق بالضرائب والجمارك وغيرها". واعتبر شقير أنّ وجود الوفد الوزاري السوري في بيروت "هو رسالة سياسية تفيد باهتمام سوريا بلبنان، ورسالة اقتصادية حول أهمية استثمار القطاع الخاص اللبناني في سوريا، لأنهم يعرفون الخبرات والإمكانيات التي نملكها". وعلى المقلب الآخر، أسِفَ شقير للصورتين المتناقضتين بين سوريا التي تتّخذ الخطوات لتشجيع الاستثمارات، فيما لبنان "يزيد الضرائب والإجراءات التي تُبعِد المستثمرين". وتخوَّف شقير من "هروب المستثمرين اللبنانيين نحو سوريا. وهذا أمر صعب، لكنه حقيقي". ومع ذلك، يبقى التواصل بين البلدين أمراً ضرورياً لتفعيل الشراكة والتعاون. وهو ما أكّدته رئيسة المجلس السوري اللبناني للأعمال، ليلى السمّان، التي ذكّرت في حديث لـ"المدن"، بأنّ الزيارات التي قام بها عدد من رجال الأعمال اللبنانيين إلى سوريا، والتواصل السياسي والاقتصادي "كان له دور في تسريع التفاعل بين رجال الأعمال في البلدين". واعتبرت السمّان أنّ "زيارة الوفد السوري اليوم إلى لبنان، تأتي لدعم القطاع الخاص. ووجود أعضاء من الحكومة السورية في بيروت، يريح المستثمر اللبناني". تصحيح العلاقات اللبنانية السورية وسط سعي القطاع الخاص اللبناني للاستثمار في سوريا، يرحّب السوريون بذلك. ويضعون ضمن أهدافهم مساعدة لبنان، لكن وفق أطر سياسية واقتصادية سليمة تعيد تصحيح الخلل البنيوي الذي قائماً عبر العلاقة السابقة بين لبنان ونظام الأسد. وفي سياق المساعدة، أكّد رمضان أنّ سوريا تضع "اللمسات الأخيرة على مشروع بيع