اشتد الصراع داخل أروقة السلطة الإيرانية بشأن الاتصالات مع الولايات المتحدة، بعدما تحولت مشاركة ممثل إيراني في قاعة الجمعية العامة خلال خطاب الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى ذريعة لهجوم جديد على وزير الخارجية عباس عراقجي، وصل هذه المرة إلى التهديد باستخدام الأدوات البرلمانية لإقالته. وبحسب تقرير للصحافي إيلي ليون في صحيفة "معاريف" الإسرائيلية، هدد عضو البرلمان الإيراني حسين علي حاجي دليغاني، نائب رئيس لجنة المادة 90 الرقابية في مجلس الشورى، اليوم الأربعاء، بالدفع نحو استجواب عراقجي وإقالته، على خلفية وجود ممثل عن إيران في القاعة أثناء الخطاب الحاد الذي ألقاه ترامب أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة. ووصف حاجي دليغاني، وفق تقارير في وسائل إعلام فارسية، بقاء الممثل الإيراني في القاعة أثناء خطاب ترامب بأنه "مصدر للخزي والندم"، معلنًا: "سنستخدم جميع أدوات الرقابة، بما في ذلك استجواب عراقجي". وأكدت وسائل إعلام إيرانية اليوم أن النائب يواصل جمع التواقيع والوثائق اللازمة لدفع مسار استجواب وزير الخارجية. وانفجرت العاصفة بعدما وجّه ترامب خلال خطابه تهديدًا شديد اللهجة إلى طهران، قائلًا إن عدم التوصل إلى اتفاق قد يعرّض الجمهورية الإسلامية لـ"الدمار"، بالتوازي مع دعوته دول العالم إلى الانضمام إلى الضغوط الاقتصادية المفروضة على إيران. لكن خلف التصعيد العلني، كانت قناة تفاوضية تعمل في نيويورك. فقد أعلن ترامب أن مبعوثيه ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر عقدا اجتماعًا استمر نحو 3 ساعات مع وفد إيراني على هامش أعمال الجمعية العامة، ووصف اللقاء بأنه "جيد جدًا" و"مثمر"، مشيرًا إلى التخطيط لاجتماع آخر في وقت قريب. وشارك عراقجي في المحادثات من الجانب الإيراني، وفق تقارير متعددة. وبحسب تقرير "معاريف"، لم يكن مسؤولون إيرانيون قد أكدوا علنًا، في لحظة نشره، انعقاد الاجتماع. وسرعان ما تحولت القضية من ملف دبلوماسي إلى أداة في الصراع الداخلي داخل طهران، إذ شن محافظون هجومًا على حكومة الرئيس مسعود بزشكيان وعلى عراقجي بسبب الاستعداد لإجراء اتصالات مع الأميركيين. ويأتي ذلك رغم أن متحدثًا باسم الحرس الثوري كان قد قال، قبل الكشف عن الاجتماع، إن التفاوض يمثل "وجهًا آخر من وجوه الحرب"، وإن من الممكن اللجوء إليه عندما تفرض المصالح الوطنية ذلك. والتهديد ضد عراقجي ليس جديدًا. ففي مطلع آب، أعلن حاجي دليغاني أن مجموعة من النواب تجمع وثائق تمهيدًا لإطلاق مسار استجواب وزير الخارجية وإقالته. وفي ذلك الوقت، هاجم فريق وزارة الخارجية، معتبرًا أن طريقة تفكيره "عالقة في عهد القاجار"، واتهم بعض أعضائه بالتحرك انطلاقًا من "الخوف والاستسلام". كما انتقد الاتصالات مع الولايات المتحدة والنقاشات المرتبطة بأي ترتيبات تخص مضيق هرمز. وتؤكد تصريحات منشورة للنائب في الأسابيع الماضية أنه كان يجمع بالفعل مستندات لدفع ملف استجواب عراقجي، بالتزامن مع اعتراضه على أي تفاهمات تخص المضيق من دون موافقة البرلمان. ويعكس التصعيد حول وزير الخارجية خلافًا أعمق داخل النظام الإيراني بشأن الطريقة التي ينبغي اعتمادها لإنهاء المواجهة المستمرة مع الولايات المتحدة. فبزشكيان وفريق وزارة الخارجية يحاولان، وفق التقرير، إبقاء باب الدبلوماسية مفتوحًا، في حين يحذر تيار محافظ داخل البرلمان والمؤسسة السياسية من أن واشنطن تستخدم المفاوضات أداةً لزيادة الضغط على إيران بدلًا من التوصل إلى تسوية. ويأتي ذلك فيما عادت الاتصالات الأميركية - الإيرانية إلى الواجهة في نيويورك بعد أشهر من الجمود، حيث تناول اللقاء الأخير شروط استئناف المحادثات وملف مضيق هرمز، وسط تأكيدات أميركية بأن اجتماعًا جديدًا مرتقب في وقت قريب. وبذلك، لم تعد معركة التفاوض مع واشنطن تدور فقط بين إيران والولايات المتحدة، بل أصبحت أيضًا مواجهة مفتوحة داخل طهران نفسها، قد تزداد حدتها إذا تحولت اتصالات نيويورك إلى مفاوضات رسمية، وعندها قد يجد عراقجي نفسه أمام اختبار دبلوماسي في الخارج ومعركة سياسية على موقعه في الداخل.