تحولت تصريحات للرئيس النمساوي ألكسندر فان دير بيلين على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك إلى أزمة دبلوماسية حادة مع إسرائيل، بعدما اتهمها بارتكاب "جرائم حرب"، ليرد وزير الخارجية الإسرائيلي غدعون ساعر بلهجة قاسية طالبًا منه أن "يخجل"، قبل أن ترتد حدة الرد على ساعر نفسه وتثير انتقادات في الأوساط السياسية الإسرائيلية. وبحسب تقرير للصحافي إيتمار آيخنر في موقع "ynet" الإسرائيلي، اندلع السجال بعد مؤتمر صحافي مشترك عقده فان دير بيلين مع المستشار النمساوي كريستيان شتوكر ووزيرة الخارجية بياته ماينل-رايزينغر، على هامش اجتماعات الأمم المتحدة في نيويورك. وأكدت وسائل الإعلام النمساوية أن الرئيس وصف جوانب من التحركات الإسرائيلية في غزة والضفة الغربية بأنها انتهاكات للقانون الدولي و"جرائم حرب". وقال فان دير بيلين إن "المستوطنات غير القانونية في أراضي الضفة الغربية تسارعت، وهناك عنف ضد السكان الفلسطينيين هناك"، مضيفًا أن هذه الوقائع "تندرج تحت تعريف جرائم الحرب". كما اعتبر أن حكومة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تتحرك في "منطقة خطرة" لن تكون مجدية لها على المدى الطويل، لكنه شدد في المقابل على أن كلامه لا يشكك في حق إسرائيل في الوجود، وأنه لا ينبغي تحميل جميع الإسرائيليين مسؤولية سياسات حكومتهم. ورد وزير الخارجية الإسرائيلي غدعون ساعر عبر منصة "X" بلهجة حادة، قائلًا إن على الرئيس النمساوي "أن يخجل". واستحضر ساعر التاريخ النمساوي ودور النمسا في الجرائم التي ارتُكبت ضد الإنسانية وضد الشعب اليهودي، واتهم فان دير بيلين بتوجيه "اتهام كاذب" إلى إسرائيل في وقت تخوض فيه، بحسب تعبيره، حربًا ضد "محور جهادي" يسعى إلى القضاء عليها. ووصف ساعر تصريحات الرئيس النمساوي بأنها "ترهات بغيضة"، لكنه أضاف، في موازاة ذلك، أنه لا ينبغي تحميل المواطنين النمساويين مسؤولية تصريحات رئيس بلادهم. غير أن الرد الإسرائيلي الرسمي لم يمر من دون اعتراضات داخلية. فقد نقل التقرير عن مسؤولين سياسيين كبار في القدس عدم ارتياحهم إلى مستوى التصعيد الذي استخدمه ساعر تجاه رئيس دولة تُعد من الدول الصديقة لإسرائيل. وقال هؤلاء: "وصلنا إلى مرحلة نوبخ فيها رئيس النمسا، وهي من أكثر الدول الصديقة لنا في أوروبا. لا يمكن مهاجمة رئيس دولة صديقة بهذه الطريقة. هناك أسلوب لتوجيه الانتقاد". وبحسب مسؤول إسرائيلي مطلع على العلاقات بين إسرائيل وأوروبا، كانت النمسا حتى قبل نحو عامين ضمن الدول الـ5 الأكثر تأييدًا لإسرائيل داخل الاتحاد الأوروبي. لكنه أشار إلى أن التغييرات الحكومية جعلت هذا الدعم أقل بروزًا وصخبًا، رغم أنه لم يختفِ، لافتًا إلى أن الرئيس النمساوي يتحرك باستقلالية نسبية عن الحكومة، وهو ما يفسر جزءًا من الاحتكاك الحالي. ووجّه المسؤول نفسه انتقادًا إلى الدبلوماسية الإسرائيلية، معتبرًا أن إسرائيل نجحت خلال السنوات الأخيرة، على حد قوله، في إبعاد ليس خصومها فقط بل حتى بعض أصدقائها، انطلاقًا من تصور بأنها قادرة على المضي منفردة حتى بثمن العزلة. وحذر من أن استمرار هذا المسار قد يقرب إسرائيل من مرحلة تبدأ فيها عقوبات وتحركات دبلوماسية أكثر خطورة ضدها، وهو سيناريو تسعى تل أبيب إلى تجنبه. ودخل رئيس الجالية اليهودية في النمسا أوسكار دويتش بدوره على خط السجال، لكنه استخدم نبرة أكثر اعتدالًا من ساعر. وقال دويتش إن فان دير بيلين "صديق حقيقي لإسرائيل وللجالية اليهودية"، معتبرًا أن هذا تحديدًا ما يجعل تصريحاته أكثر خطورة من وجهة نظره. وانتقد حديث الرئيس عن "جرائم حرب" وتحميله المسؤولية لطرف واحد، معتبرًا أنه لم يشر إلى ما وصفه بالتهديد الوجودي الذي تمثله التنظيمات الفلسطينية المسلحة وإيران وأذرعها، ولا إلى الهجمات على الإسرائيليين أو الدعوات المعلنة للقضاء على اليهود. وأضاف أن الدبلوماسية الحقيقية، برأيه، تفرض النظر إلى الصورة الكاملة للصراع، وأن تقديم اتهامات أحادية الجانب على أنها حقائق يمنح شرعية لمن سبق أن حسموا، من وجهة نظرهم، هوية الطرف المسؤول. وأشار دويتش إلى أن النمسا شهدت منذ 7 تشرين الأول 2023 موجة من الحوادث المعادية للسامية، لافتًا إلى أن هيئة الرصد النمساوية لمعاداة السامية "AMeldestelle" وثقت 1532 حادثة خلال عام 2025، كان أكثر من 3 أرباعها مرتبطًا بإسرائيل، وهو الشكل الأكثر شيوعًا لمعاداة السامية في البلاد حاليًا، بحسب ما أورده التقرير. وفي مؤشر إلى وجود تمايز داخل القيادة النمساوية نفسها، أعلن مكتب المستشار النمساوي تحفظه عن طريقة صياغة الرئيس للموقف. وجاء في موقفه: "لدى النمسا مسؤولية خاصة تجاه دولة إسرائيل بسبب تاريخها. حق إسرائيل في الوجود غير قابل للتشكيك. وبالقدر نفسه، فإن إلزامية القانون الدولي غير قابلة للتشكيك بالنسبة إلينا. تحديد ما إذا كان القانون قد انتُهك