أسابيع من المفاوضات بين واشنطن وبكين سبقت زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى الولايات المتحدة، لكن جزءًا كبيرًا منها لم يُستهلك في حسم الخلافات حول التجارة والذكاء الاصطناعي وتايوان وإيران، بل في سؤال أكثر رمزية: كيف سيُستقبل شي، وما مستوى التكريم الذي سيمنح له في البيت الأبيض؟ وبحسب تقرير للصحافي أساف روزنتسفايغ في موقع "N12" الإسرائيلي، استنادًا إلى تقرير لصحيفة "وول ستريت جورنال"، أصر الجانب الصيني على أن تُصنّف زيارة شي رسميًا باعتبارها "زيارة دولة"، وهي أعلى درجات الاستقبال الدبلوماسي، بما يشمل حرس الشرف، وتحية من 21 طلقة مدفعية، ومراسم رسمية في البيت الأبيض. وفي نهاية المفاوضات، حصل الرئيس الصيني على الصيغة التي طالب بها. وتبدأ زيارة شي إلى الولايات المتحدة الأربعاء، في أول زيارة دولة له إلى واشنطن منذ أكثر من عقد، رغم أنه زار الولايات المتحدة أيضًا في عهد الرئيس السابق جو بايدن من دون أن يحظى بمستوى التكريم نفسه. وأكد البيت الأبيض أن الرئيس دونالد ترامب سيستقبل شي وزوجته بنغ لي يوان شخصيًا لدى وصولهما، على أن تقام مراسم الاستقبال الرسمية في البيت الأبيض ضمن برنامج الزيارة. ويكشف الصراع الهادئ على توصيف الزيارة وتفاصيل البروتوكول الكثير عن طبيعة القمة نفسها. ففي وقت لا تزال الخلافات الجوهرية بين القوتين قائمتين، يعطي الطرفان أهمية كبيرة للصورة التي ستخرج بها القمة والرسالة التي ستبعث بها إلى الداخل والخارج. ويعتزم ترامب منح شي معاملة مشابهة لتلك التي حصل عليها خلال زيارته إلى بكين في أيار. وبحسب مسؤول رفيع في البيت الأبيض، يريد الرئيس الأميركي قبل كل شيء إبهار نظيره الصيني والحفاظ على استقرار العلاقات قبل انتخابات التجديد النصفي المقررة في تشرين الثاني. ومن جهته، طالب شي بمبدأ المعاملة بالمثل بصورة شبه كاملة، وقال مستشارون في بكين إن الرئيس الصيني أصر على استقبال يوازي ذلك الذي منحه لترامب، بما يشمل زيارة تمتد يومين وعشاء دولة رسميًا. والهدف، وفق التقرير، هو تقديم شي باعتباره زعيمًا يُستقبل على قدم المساواة من رئيس أقوى دولة في العالم، في مرحلة لا تزال فيها قبضته على السلطة قوية، لكن الضغوط المحيطة به تتزايد. وبالفعل، يتضمن برنامج البيت الأبيض مراسم واسعة، وعشاء دولة، وعروضًا عسكرية، فيما سيشارك ترامب شخصيًا في استقبال شي، في مظاهر احتفالية ترافق واحدة من أكثر العلاقات الدولية توترًا وحساسية. لكن خلف السجادة الحمراء، لا توجد مؤشرات حتى الآن إلى استعداد الزعيمين لتقديم تنازلات كبيرة في القضايا الأساسية التي تحدد المنافسة بين واشنطن وبكين. وقال مسؤولون من الجانبين إن ترامب وشي لا يبدوان مستعدين للتراجع كثيرًا في ملفات مثل السباق على السيطرة على التكنولوجيا المتقدمة، ولا سيما الذكاء الاصطناعي، أو المنافسة المتزايدة على النفوذ الجيوسياسي. وتؤكد تقارير أميركية حديثة أن التوقعات بتحقيق اختراقات كبرى خلال القمة تبقى محدودة، رغم رغبة الطرفين في تثبيت قدر من الاستقرار في العلاقة. ويمثل التركيز المشترك على المظهر الخارجي للقمة تحولًا مقارنة بمراحل سابقة، إذ كانت واشنطن تضغط تقليديًا لتحقيق نتائج عملية، فيما تولي القيادة الصينية أهمية كبيرة للبروتوكول والمكانة والاحترام. أما هذه المرة، فيبدو أن الطرفين يريدان قبل كل شيء أن "تبدو" القمة ناجحة. وقال دانيال كريتنبرينك، المسؤول السابق في وزارة الخارجية الأميركية عن شؤون شرق آسيا: "يبدو أن الجانب البصري يحظى بالأولوية لدى الطرفين، حتى على حساب الجوهر". وشارك سفير الولايات المتحدة لدى الصين ديفيد بيرديو ورئيسة موظفي البيت الأبيض سوزي وايلز بصورة واسعة في التحضيرات، إذ أدى بيرديو دور الوسيط بين الحكومتين. ويرى كريتنبرينك أن خلف المقاربة الودية التي يعتمدها ترامب تجاه شي استراتيجية أيضًا، تقوم على محاولة فرض قدر من الانضباط والاستقرار على العلاقة مع الصين، في وقت يفضل فيه عدد من مستشاري الرئيس الأميركي نهجًا أكثر تشددًا. وتأمل واشنطن أن تؤدي القمة إلى إعادة تثبيت الالتزامات التي توصل إليها الجانبان في وقت سابق هذا العام عندما استضاف شي ترامب في بكين، وفي مقدمتها "الهدنة" الجمركية التي حالت حتى الآن دون تجدد حرب تجارية واسعة. وتراقب الأسواق خصوصًا إمكان تمديد ترتيبات خفض التصعيد التجاري القائمة بين البلدين. أما في الملفات العملية، فالتوقعات تبقى محدودة أيضًا. فخلال اجتماع تحضيري الأحد، التقى وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت والممثل التجاري الأميركي جيميسون غرير نائب رئيس الوزراء الصيني خه ليفنغ، ووصف بيسنت المحادثات بشأن التجارة والذكاء الاصطناعي بأنها "ناجحة جدًا". وقال غرير إن "مجلس التجارة" الأميركي-الصيني، الذي أُعلن عن تأسيسه بعد قمة ترامب وشي في بكين، بدأ العمل بالفع