لم تعد نتائج اليمين القومي في ألمانيا تُقرأ فقط باعتبارها أصوات احتجاج عابرة. فمع سلسلة الانتخابات الإقليمية الأخيرة، ظهرت مؤشرات إلى تحول أعمق في الخريطة السياسية: اليسار يتقدم في برلين، وحزب "البديل من أجل ألمانيا" يحقق قفزات كبيرة في الشرق، فيما يتراجع الوسط التقليدي وتُطرح تساؤلات متزايدة حول قدرة ما يُعرف بـ"جدار الحماية" السياسي على إبقاء الحزب خارج دوائر الحكم. وفي مقال تحليلي نشره البروفيسور شارون باردو عبر موقع "N12" الإسرائيلي، اعتبر أن نتائج أيلول 2026 تكشف أزمة متصاعدة في الوسط السياسي الألماني، محذرًا في الوقت نفسه إسرائيل والجاليات اليهودية من التعامل مع المواقف المؤيدة لإسرائيل التي تصدر عن بعض قيادات "البديل من أجل ألمانيا" باعتبارها ضمانة سياسية دائمة. وكان العنوان الأبرز في الانتخابات الإقليمية مطلع الأسبوع من برلين، حيث تصدّر حزب "دي لينكه" اليساري، الذي يصفه باردو في مقاله بأنه من اليسار الراديكالي، الانتخابات، فيما مُني حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي الذي يقوده المستشار فريدريش ميرتس بخسارة، وسجل "البديل من أجل ألمانيا" 16.3% من الأصوات. وأكدت نتائج نقلتها "رويترز" تقدم "دي لينكه" في العاصمة وحصول "البديل" على 16.3%، في مؤشر إلى تراجع الأحزاب التقليدية في أكثر من اتجاه. لكن باردو يرى أن برلين ليست مركز التحول الأهم، بل إن التغيير الأعمق يجري في شرق البلاد. ففي ساكسونيا-أنهالت، حصد "البديل من أجل ألمانيا" قبل نحو أسبوعين 44.5% من الأصوات، أي أكثر من ضعف نتيجته في انتخابات 2021، وأصبح الحزب الأكبر في الولاية. وبعد أسبوعين، حقق الحزب تقدمًا جديدًا في مكلنبورغ-فوربومرن، حيث أورد المقال أنه حصل على 38.2%، ليتصدر هناك أيضًا. وكانت "رويترز" قد سجلت النتيجة النهائية عند نحو 38.3%، مع بقاء الحزب معزولًا ائتلافيًا بسبب رفض الأحزاب الرئيسية التعاون معه. وبذلك، تصدّر الحزب انتخابات ولايتين ألمانيتين خلال أسبوعين، وهو ما يراه الكاتب التحول الأكثر أهمية في المشهد. ولا يتعلق الأمر فقط بعدد الأصوات، بل بما تعنيه الأرقام لحدود المقبول سياسيًا في ألمانيا. فمنذ سنوات، تعتمد الأحزاب الرئيسية ما يعرف بـ"جدار الحماية" أو "الحائط الناري"، أي رفض الدخول في تحالفات مع "البديل من أجل ألمانيا". ولا يزال هذا المبدأ قائمًا رسميًا على مستوى الأحزاب، لكن باردو يعتبر أن جزءًا متزايدًا من الناخبين لم يعد يتعامل مع الحزب بالطريقة نفسها: فقد يبقى معزولًا داخل البرلمانات، لكنه يصبح في الوقت نفسه خيارًا مشروعًا في صناديق الاقتراع لدى شريحة أوسع من الجمهور. وتشير "رويترز" أيضًا إلى أن صعود الحزب بات يضع سياسة عزله التقليدية تحت ضغط متزايد. ولم يبدأ "البديل من أجل ألمانيا" أصلًا حزبًا من اليمين المتطرف. فقد تأسس عام 2013 على يد اقتصاديين وأكاديميين ومحافظين معارضين لسياسات الإنقاذ داخل منطقة اليورو، قبل أن تدفع أزمة اللاجئين عام 2015 والصراعات الداخلية على القيادة الحزب تدريجيًا نحو مواقع قومية وأشد تشددًا في ملفات الهجرة والهوية. وفي ساكسونيا-أنهالت، صنّفت هيئة حماية الدستور المحلية فرع الحزب باعتباره تنظيمًا "يمينيًا متطرفًا"، وهو تصنيف يرفض الحزب خلفياته السياسية ويتهم أجهزة الأمن باستخدامها لمحاصرته. وكانت "رويترز" قد أكدت أن الفرع المحلي خاض الانتخابات وهو يحمل هذا التصنيف الرسمي. ويقول باردو إنه عندما يمنح أكثر من 4 من كل 10 ناخبين في ساكسونيا-أنهالت أصواتهم للحزب، ثم يتصدر بعد أسبوعين في مكلنبورغ-فوربومرن، يصبح من الصعب تفسير الظاهرة حصريًا بالهجرة أو غلاء المعيشة أو ضعف الحكومة الفيدرالية في برلين. وبرأيه، لم يعد ملايين الألمان يصوتون للحزب فقط كرسالة احتجاج، بل بات جزء متزايد منهم ينظر إليه باعتباره بديلًا يمكنه المنافسة على الحكم. ويحمل هذا التحول زاوية خاصة بالنسبة إلى إسرائيل. فبعض قيادات "البديل من أجل ألمانيا" تتبنى خطابًا مؤيدًا لإسرائيل، وتدين حماس، وتعارض حملات مقاطعة إسرائيل، وتقدم نفسها مدافعة عن إسرائيل وعن اليهود في ألمانيا. لكن باردو يحذر من قراءة هذا الخطاب بمعزل عن السياق الداخلي الألماني، معتبرًا أن دعم إسرائيل يُستخدم في بعض الأحيان ضمن الصراع السياسي للحزب ضد المسلمين والمهاجرين واليسار، بحيث تتحول إسرائيل إلى أداة في "حرب ثقافية" ألمانية داخلية. وهذه ليست قراءة الكاتب وحده. فقد خلصت دراسة صادرة عن مؤسسة كونراد أديناور في تشرين الثاني 2025 إلى أن خطاب التضامن مع إسرائيل لدى "البديل من أجل ألمانيا" يحمل، بدرجة كبيرة بحسب الدراسة، طابعًا وظيفيًا وسياسيًا، ويُستخدم في مواجهة المسلمين والخصوم السياسيين، فيما أشارت الدراسة إلى وجود تيارات ومواقف داخل الحزب تتهمها منظمات يهودية بالتطرف ومراجعة التاريخ ومعاداة ا