الجريمة لا دين لها، ومن يسعى لتصوير قانون العفو خارج إطاره التقني التشريعي يكون كمن ينسف أساس العقد الاجتماعي، ومن يتهم طائفة من الناس بارتكاب جرائم لتكون بحاجة للعفو عن هذه الجرائم يكون كالتي نقضت غزلها بعد قوة إنكاثا. إن العادة التي حكمت حياتنا الإعلامية في لبنان لجهة تجاذب أطراف المشروعية أفضى إلى تمزق هذه المشروعية وتهتك بناها، فحولت من الأساس للتنظيم العقد الاجتماعي إلى يافطات متنابذة يرفع كل شارع منها ما واتاه ويتعامى الجميع عن مصلحة الوطن العليا، كما فعل "رئيس المعارضة" وحلفاؤه في جلسة مناقشة الحكومة التي انعقدت بتاريخ 15 و16 أيلول 2026، والتي أظهرت تهافتا في خطاب السلطة التي تدعي المعارضة. فالغريب في خريطة السلطة المتحكمة بمصير اللبنانيين أنها في آن خارج المشروعية وفي المؤسسات الدستورية، ففيما ينقض نواب كتلة الوفاء للمقاومة على زملائهم في مجلس النواب وعلى الحكومة ويمارسون كل أنواع الترهيب والسباب يبقون في الحكومة ليمارسوا السلطة، وهذه النمطية تستهدف العقد الاجتماعي الذي حمته كتلة التنمية والتحرير بتصويتها مع منح الثقة للحكومة. من يراقب المشهد يشعر وكأن السلطات الدستورية الشرعية في البلاد تمارس المعارضة بوجه منظومة تحكمت بمصير البلاد والعباد فتمارس الاسناد لكل مشروع إقليمي وتقدم أراضي الجمهورية اللبنانية على طبق من فضة للمحتل "كائنًا من كان" شريطة ألا يتم الاعتراف بسيادة لبنان ولا سلطاته الشرعية، وكأن جوهر المقاومة أن يقاوم حزب الله السلطات الشرعية في البلاد وأن يرفض تسليم مواقعه للجيش اللبناني لكي يحتلها نتانياهو ويستفيد من ذلك في بازار السوق الانتخابي، وفق فرقة الحج لفنون التواصل الاجتماعي، فإذا بالمقاومة تقاوم سلطان الدولة اللبنانية وتحفظ ماء وجه نتانياهو أمام جمهوره، وبين هنٍ وهنٍ يتحول المقاومون الشرفاء الشجعان البواسل إلى ورقة يضحي بها مكتبهم السياسي على طاولة المصالح الظرفية، ويتستر المكتب السياسي وحلفاؤه بالشعبوية الجوفاء ليخفي عن المكلومين حقائق البيع والشراء في بازارات الإقليم، ويعدهم أن لهم الجنة. في هذا الإطار الشعبوي عينه تم التعاطي الإعلامي مع القانون رقم 70 لسنة 2026، وكأن العفو مشرع لصالح طائفة دون سواها، وكأن الجريمة تختصر بفئة من الناس، ووقع الشعبويون من الطرف الآخر في فخ المزايدات فألبسوا أنفسهم تهما هم منها براء وفُتح المزاد العلني في سوق نخاسة يدلل فيه على مستقبل وطن وحرية أبنائه. بتاريخ 9 أيلول 2026 صدر القرار رقم 10 عن المجلس الدستوري بناء على طعن ورده من النائب جبران باسيل ورفاقه، وعلق بموجبه مفعول القانون رقم 70 لسنة 2026، وقد سال حبر كثير في مناقشة هذا القانون انتقادا ودفاعًا، ما يوجب على الباحث المدقق أن يتحرّى مدى التزام هذا القانون بالمبادئ الدستورية ويقيس التزامه بالفلسفة التشريعية المستقرة في لبنان لجهة قوانين العفو، كما يقتضي تحري المطاعن التي ساقها الطاعنون. حوليات العفو في التشريع اللبناني. في 20 و21 تموز 1920، شهدت منطقة راشيا وادي التيم اضطرابات بمواجهة جيش الانتداب الفرنسي بهدف عرقلة زحف الفرنسيين على دمشق، هذه الاضطرابات وأحداثها تم العفو عنها بموجب القرار رقم 913 الصادر بتاريخ 13/06/1921 عن المفوض السامي الجنرال غورو، وكان هذا أول عفو عام بتاريخ دولة لبنان الكبير. أتبع القرار 913 بـــ52[1] قانون ومرسوم اشتراعي وقرار مفوض سامي انصبت على جرائم مختلفة، فخلال مئة عام أصدر المشرع اللبناني أكثر من 53 قانون عفو عام مقابل 23 قانون عفو عام أصدرها المشرع الفرنسي في نفس الفترة (من ضمنها قوانين التسامح الرئاسي الثمانية التي كانت تعفو عن المخالفات البسيطة)، ويتقدم لبنان كافة الدول التي تعتمد النظام المدني، في عدد قوانين العفو العام، وهذا التسامح كان جزءًا من إشكاليات لبنان البنيوية، فالمبدأ الذي استقرت عليه الجمهورية اللبنانية منذ العام 1920 حتى سنوات متأخرة من القرن الواحد والعشرين، هو التسوية. ومع مطالعة نص المادة 150 من قانون العقوبات التي تعتبر أن ما سدد من غرامات لا يشمله العفو، بمعنى أن الشخص الذي التزم أحكام القانون وسدد ما عليه من رسوم وضرائب وغرامات، قد غُبِنَ ذلك أن الذي خالف القانون شملته قوانين ومراسيمالاعفاء والتسويات، فساد في الوجدان الشعبي العام عبارة "لا تسدد اليوم انتظر غدًا سيصدرون تسوية"، هذه النمطية أفضت إلى تهتك بنى الرادع في الوجدان الجمعي، وأصبح التشريع عبارة عن حلقة مما يطلبه المشاهدون الذين يقترف معظمهم مخالفات للقانون ويتحول المواطن العادي الملتزم أحكام القانون إلى استثناء ويعاقب لأنه التزم أحكام القانون، لذلك أنا شخصيا أعارض قوانين العفو، والتسويات والإعفاءات الضريبية والتدابير الاستثنائية التي حكمت حياتنا التشريعية لمئة عام، مئة عام كان سجلا متتاليا لعدم الاست