لم تعد المخاوف الأوروبية تتركز على سيناريو اجتياح روسي واسع لدولة في حلف شمال الأطلسي، بل على خطوة أصغر وأكثر غموضًا قد تكون أخطر سياسيًا: مسيّرة أو صاروخ، اختراق محدود للحدود، عملية تخريب واسعة أو هجوم يصعب تحديد المسؤول عنه، بما يضع دول الناتو أمام السؤال الأصعب: هل تجاوزت موسكو الخط الذي يستوجب ردًا عسكريًا جماعيًا؟ وبحسب تقرير موسع للصحافي أساف روزنتسفايغ في موقع "N12" الإسرائيلي، تتقاطع سلسلة من التطورات الأمنية والعسكرية والسياسية لتدفع العلاقة بين روسيا والناتو إلى مستوى استثنائي من التوتر، في وقت يحذر مسؤولون أمنيون وقادة أوروبيون من أن القارة تقف أمام مرحلة حساسة، من دون وجود إجماع على أن هجومًا روسيًا مباشرًا أصبح وشيكًا. ولا ينبع هذا القلق من عامل واحد، بل من تراكم الهجمات المنسوبة إلى روسيا ضمن ما يُعرف بـ"الحرب الهجينة"، والاختراقات الجوية لأجواء دول الناتو، وتعثر التقدم الروسي نسبيًا في أوكرانيا، واتساع الضربات الأوكرانية داخل الأراضي الروسية، وانتهاء الانتخابات البرلمانية الروسية، إضافة إلى مخاوف من أن تكون إجراءات غير شعبية مثل تعبئة عسكرية جديدة قد أُرجئت إلى ما بعد الانتخابات، فضلًا عن التساؤلات الأوروبية حول مدى التزام واشنطن بالدفاع عن القارة. وبدأ هذا القلق يظهر بوضوح في تصريحات أجهزة الاستخبارات نفسها. فقد قال رئيس جهاز الأمن التشيكي ميخال كوديلكا إن سيناريو تحرك روسي محدود ضد أراضي الناتو ممكن خلال "أشهر، لا سنوات"، موضحًا أن الاحتمالات قد تشمل توغلًا محدودًا، أو استفزازًا عبر "عملية علم زائف"، أو حملة تأثير واسعة. كما حذر رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك، استنادًا إلى تقديرات استخبارية، من احتمال محاولة روسيا استهداف أراضي الناتو بمسيّرات أو صواريخ خلال الأشهر المقبلة لاختبار مدى ترجمة المادة 5 من ميثاق الحلف، التي تنص على الدفاع المشترك، إلى تحرك فعلي. أما الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، فقال إن تحذيرات توسك تستند إلى معطيات جدية، وأشار إلى تصاعد الأنشطة الروسية قبل أن يعقد اجتماعًا طارئًا مع قادة سياسيين. في المقابل، لا يوجد إجماع أوروبي على أن روسيا تستعد لهجوم مباشر. فقد قال رئيس جهاز الأمن في لاتفيا نورموندس ميجفيتس إنه لا توجد مؤشرات حاليًا إلى هجوم وشيك، رغم وجود إشارات إلى استعداد موسكو لتحركات أكثر حزمًا في أوروبا. لكنه أشار إلى صعوبة معرفة ما إذا كان الأمر يتعلق بتحضير عسكري حقيقي أو باستراتيجية تستهدف نشر الخوف وعدم اليقين في الدول الداعمة لأوكرانيا. وفي إستونيا صدرت أيضًا تحذيرات من الانجرار إلى الذعر، كما تبنى الرئيس الفنلندي ألكسندر ستوب مقاربة مشابهة. ويستند جزء كبير من القلق إلى تحول طبيعة الأنشطة المنسوبة إلى روسيا خارج أوكرانيا. فالتجسس والهجمات السيبرانية ونشر المعلومات المضللة ليست ظواهر جديدة، لكن الأعوام الأخيرة شهدت تزايدًا في عمليات التخريب والإحراق واستهداف البنى التحتية والاختراقات الجوية. والناتو يتهم روسيا صراحة بإدارة حملة "هجينة" تشمل تخريب البنى التحتية الحيوية وأعمال عنف واستفزازات على الحدود وهجمات إلكترونية وتشويشًا إلكترونيًا وحملات تضليل وتأثيرًا سياسيًا وضغوطًا اقتصادية، ويقول إن هذا النشاط تصاعد منذ بدء الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا عام 2022. ومن أكثر الوقائع التي رفعت مستوى القلق حادثة وقعت مطلع آب في مطار لايبزيغ-هاله في ألمانيا، حيث عثرت السلطات على مسيّرة محملة بالمتفجرات بالقرب من طائرة مرتبطة بأوكرانيا. ووصفت النيابة الألمانية الحادثة بأنها هجوم خطير على بنى النقل والخدمات اللوجستية، فيما حمّلت ألمانيا الاستخبارات الروسية المسؤولية. ووصف رئيس الاستخبارات العسكرية السويدية الحادث بأنه "تغيير لقواعد اللعبة"، بسبب احتمال أن يؤدي هجوم من هذا النوع داخل مطار مزدحم في قلب أوروبا إلى سقوط ضحايا أو إلحاق أضرار جسيمة بالبنية التحتية. وروسيا نفت تورطها في الحادث. ولم تكن هذه الحادثة الأولى. ففي عام 2024 اشتعلت طرد بريدي في مركز تابع لـDHL في لايبزيغ قبل وقت قصير من نقله جوًا إلى بريطانيا، فيما انفجرت طرود مشابهة في منشآت لوجستية في بريطانيا وبولندا. وربط محققون تلك الوقائع بمخطط تخريبي روسي يعتمد عبوات حارقة مخفية، وهو ما نفته موسكو، بينما أوقفت السلطات لاحقًا مشتبهًا بهم قالت النيابة الألمانية إنهم كانوا على اتصال بجهات مرتبطة بالسلطات الروسية. وفي إستونيا، جرى التحقيق في آب بحريق متعمد في منشأة لشركة Milrem Robotics المصنعة لأنظمة عسكرية روبوتية تزود أوكرانيا بالمعدات، مع الاشتباه في احتمال وجود صلة روسية، من دون إثبات المسؤولية بصورة نهائية. كما شهدت دول أوروبية أخرى حوادث استهدفت مصانع دفاع وبنى مرتبطة بإمداد أوكرانيا. وترى أجهزة استخبارات أوروبية أن هناك