يشهد لبنان تعقيدات ديموغرافيّة واجتماعيّة كبيرة، إذ يضمّ ضمن مساحة جغرافية محدودة مجتمعات متعدّدة تختلف في أوضاعها القانونية والاجتماعية وتجاربها مع الأزمات، النزوح والصدمات. تُظهر نتائج دراسة تحليليّة جديدة صدرت في أيلول/سبتمبر ٢٠٢٦ بعنوان "الصحة النفسية في لبنان: جميع المجتمعات"، أعدّها الدكتور مرام حكيم، طبيب وعالم نفسي عيادي، واقع الحالة النفسية لدى أربع فئات رئيسيّة: المواطنون اللّبنانيون، اللّاجئون السوريون والفلسطينيون والعاملات المهاجرات في الخدمة المنزلية. يكشف البحث أنَّ الأعباء النفسية في لبنان لا تنفصل عن الظروف التي يعيشها الأفراد بل ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالأطر القانونية، الاقتصادية والسياسية التي تُشكّل حياتهم وتُؤثّر في مستوى حمايتهم واستقرارهم. تتحمّل النساء في كثير من الحالات العبء الأكبر نتيجة تراكم ضغوط متنوّعة ولا سيّما الاجتماعية منها ما يزيد من هشاشتهنَّ ويُضعف قدرتهنَّ على الوصول إلى الحماية والدعم. ضغوط نفسية لدى الفئات الأكثر هشاشة في لبنان (Pexels) التصعيد الأخير: أثره الحادّ على خطوط التوتّر النفسي يُشير الدكتور مرام حكيم في دراسته إلى أنَّ "التصعيد العسكري الذي بدأ في ٢ آذار/مارس ٢٠٢٦ أضاف طبقة حادّة جديدة من الصدمات إلى خطّ الأساس المزمن. ووفقاً لبيانات وزارة الصحة العامة، سجّلت البلاد حتى منتصف آب/أغسطس ٤٣٤٦ وفاة و١٢٣٠٣ إصابات إلى جانب نزوح نحو مليون شخص في أكبر موجة تهجير تشهدها البلاد منذ عام ٢٠٢٤. تضاعفت الاتّصالات الواردة إلى الخطوط الساخنة الوطنية للصحة النفسية خلال الأيام العشرة الأولى من التصعيد، إذ أبلغ ٥٥٪ عن ضائقة عاطفية حادّة، ٣٠٪ عن أفكار انتحارية، فيما احتاج ٤٠٪ إلى تحويل عاجل". في موازاة ذلك، أوضح: "عمليات التدقيق الأمني في مراكز الإيواء الجماعي أظهرت أنَّ النساء والفتيات شكّلنَ باستمرار ٥٢٪ أو أكثر من النازحين في ظلّ ظروف اتّسمت بالاكتظاظ، سوء الإضاءة، ضعف الصرف الصحي وغياب الخصوصيّة، ما زاد أوجه عوامل الانكشاف ورفع مخاطر التعرّض للعنف القائم على النوع الاجتماعي". الواقع النفسي للمواطنين اللّبنانيين: الضائقة المالية والقانونية على الصعيد الوطني اللّبناني، بيّن المسح الوطني لعام ٢٠٢٢ الذي أجراه معهد "IDRAAC" بالتعاون مع شركة “Ipsos”، أنَّ نحو نصف البالغين اللّبنانيين تجاوزوا عتبة الفحص الإيجابي لاحتمال الإصابة بالاكتئاب، القلق أو اضطراب الكرب التالي للصدمة “PTSD” وذلك حتى قبل اندلاع النزاعات الأخيرة. يُؤكّد الدكتور حكيم أنَّ “النساء يتفوّقنَ على الرجال في جميع مؤشّرات الاضطرابات الداخلية، (يُسجّل القلق GAD-7 نسبة ٤٩٫١٪ للنساء مقابل ٤١٫٣٪ للرجال والاكتئاب PHQ-9 نسبة ٥١٫٥٪ مقابل ٤٣٫٩٪)، الأعراض الجسدية واضطرابات الأكل، في حين يُسجّل الذكور معدّلات أعلى في تعاطي المواد المخدّرة واضطرابات السلوك". ومن أبرز النتائج التي توصّلت إليها الدراسة: الضغط المالي: تُعدّ الضائقة المالية أقوى منبّئ منفرد بالاكتئاب لدى النساء اللّبنانيات عبر جميع الدراسات، متقدّمةً حتى على التعرّض للحروب. الاحتباس القانوني: وجود ١٥ ولاية قضائية دينية للأحوال الشخصية في ظلّ غياب قانون مدني موحّد لها، يخلق لدى الإناث حالة من اللّاسلطة أو العجز المتعلّم، ما يُسهم بحالات عسر المزاج المزمن “Dysthymia” والمتلازمات الجسدية. المجتمعات الأخرى: الفئات الأكثر هشاشة يتناول البحث أيضاً واقع باقي المكوّنات المقيمة في لبنان، مبيّناً تفاوت الضغوط النفسية وتأثيراتها: اللّاجئون السوريون: تُفيد البيانات إلى أنَّ ٩٠٫٥٪ من النساء السوريات في مخيّمات التلخيص العشوائية أظهرنَ خطراً عالياً للإصابة بالاكتئاب، القلق أو اضطراب الكرب التالي للصدمة. تتفاقم هذه المعاناة بفعل الصدمات السابقة للهجرة، انعدام الإقامة القانونية وظروف النزوح القسري. اللّاجئون الفلسطينيون: "في مخيّم شاتيلا، أظهر بحث للرعاية الأوليّة أنَّ ٥١٫٦٪ من المراجعين يُعانون من مؤشّرات مرض نفسي، فيما كانت ٨٨٫٦٪ منها غير مشخّصة أو غير ملحوظة من قبل الأطباء المعالجين وهو ما يُبرز أنَّ "عقبة الاكتشاف المبكر في الرعاية الأوليّة هي التحدّي الأكبر وليست القدرة العلاجية فقط". يذكر الدكتور حكيم أنَّ "عيادة برج البراجنة المتخصّصة سجّلت معدّلات بلغت ٢٨٫٨٪ للاكتئاب، ١٥٫٦٪ للقلق و١١٪ لأعراض الذهان، كما أنَّ حالة انعدام الجنسية المتوارثة عبر الأجيال إلى جانب حظر العمل، تُؤدّي دوراً رئيسياً في ترسيخ حالة من اليأس المزمن". عاملات المنازل المهاجرات: في ظلّ نظام الكفالة، كشف التقرير بالاستناد إلى أبحاث حديثة مثل دراسة دياب والرياشي في حزيران/يونيو ٢٠٢٦ بمجلة “Migration Studies” أنَّ استبعاد العاملات من قانون العمل وربط إقامتهنَّ برئيستهنَّ أو مخدومهنَّ يخلق بيئة من العزلة، ا