مرة من بوابة الإمارات، ومرة من البوابة السورية، يعود لبنان إلى واجهة الاهتمام الاقتصادي العربي. ففيما حمل الوفد الإماراتي إلى بيروت أخيرا رسائل انفتاح واستعداد للبحث في استثمارات وشراكات قابلة للتنفيذ، جمع المنتدى اللبناني-السوري الذي عقد في فندق فينيسيا في بيروت نحو 400 رجل أعمال ومسؤول للبحث في فرص التجارة والاستثمار وإعادة الإعمار. لكن ما ميز المنتدى لم يكن حجم الحضور والفرص المطروحة فحسب، بل الانطباع اللبناني اللافت حيال التحولات التي شهدتها سوريا خلال الفترة الأخيرة، ولا سيما على مستوى إعادة إطلاق المؤسسات الاقتصادية، وتطوير التشريعات، وفتح المجال أمام القطاع الخاص والاستثمار. هذا الانطباع لا يعني أن الطريق أصبح معبدا أمام الاقتصاد السوري، ولا أن المعوقات اختفت، لكنه يعكس تحولا مهما في النظرة اللبنانية إلى السوق السورية: من اقتصاد يحتاج إلى المساعدة وإعادة التشغيل، إلى سوق ناشئة تفتح مجالات استثمارية واسعة ويمكن أن تشكل شريكا اقتصاديا للبنان. سوريا تمثل بالنسبة إلى الشركات اللبنانية سوقا تحتاج إلى إعادة إعمار واسعة واستثمارات في البنية التحتية والطاقة والصناعة والخدمات والسياحة. لكن التحدي لا يكمن في غياب الفرص، بل في قدرة لبنان وسوريا على توفير بيئة تسمح للقطاع الخاص بالإفادة منها.الرسالة السورية الأبرز في المنتدى تمثلت في أن المرحلة الحالية لا تختصر بالتعافي الاقتصادي، بل تتصل بإعادة تموضع أوسع للاقتصاد. وزير الاقتصاد والصناعة السوري محمد نضال الشعار عرض تصورا يقوم على اقتصاد أكثر انفتاحا، مع تحول دور الدولة من الإدارة المباشرة للنشاط الاقتصادي إلى التيسير والتنظيم. ووفق الأرقام التي عرضها، عادت آلاف المصانع والورش إلى العمل، وصدرت آلاف التراخيص الاستثمارية، فيما عادت خطوط إنتاج جديدة إلى النشاط.أهمية هذه الأرقام لا تكمن فقط في حجمها، بل في دلالتها على محاولة إعادة بناء الاقتصاد من الداخل، بالتوازي مع استقطاب رأس المال والاستثمارات الخارجية. أظهر المنتدى أن الفرص الاستثمارية في سوريا واسعة وتمتد إلى الصناعة والزراعة والطاقة والنقل والسياحة والإسكان والخدمات.في المقابل، لا تزال هناك عقبات عملية طرحها الجانب اللبناني تتعلق بالتأشيرات والجمارك والمواصفات والمختبرات والنقل والترانزيت. وهذه الملفات، مع أنها تبدو تفصيلية أمام الحديث عن مشاريع كبرى، هي التي تحدد في النهاية قدرة المستثمر على تنفيذ مشروعه. وبدا واضحا من النقاشات أن الاستثمار الكبير قد يتعطل بسبب مشكلة إدارية أو جمركية عند الحدود، لذلك فإن تحسين البيئة الاستثمارية لا يتوقف عند إصدار القوانين، بل يبدأ من تفاصيل تنفيذها. أحد أبرز الاستنتاجات التي خرج بها المنتدى هو أن العلاقة الاقتصادية بين البلدين يمكن أن تتجاوز التجارة التقليدية إلى التكامل الإنتاجي والخدماتي. فسوريا تستطيع توفير مواد أولية ومنتجات نصف مصنعة للصناعة اللبنانية، بينما يمتلك لبنان خبرات في الخدمات المالية والمصرفية والتجارية والسياحية والاستشارية. كما أن السوق السورية تحتاج إلى مجموعة واسعة من المنتجات والخدمات نتيجة حجم الحاجات المرتبطة بإعادة بناء الاقتصاد. يمكن تلخيص الجزء الأكبر من التحديات التي نوقشت في المنتدى بثلاثة ملفات: الأشخاص، والبضائع، والشاحنات.في حركة الأشخاص، تشكل التأشيرات والإذن المسبق عقبة أمام رجال الأعمال والموظفين والخبراء، فيما تحتاج الشركات إلى حركة مستمرة تتجاوز صاحب المؤسسة نفسه. وفي حركة البضائع، تبرز الرسوم الجمركية ومبدأ المعاملة بالمثل. أما في النقل، فتبرز مسألة معاملة الشاحنات اللبنانية في سوريا والسورية في لبنان، إضافة إلى إجراءات العبور والترانزيت. وقد شدد رئيس الهيئات الاقتصادية محمد شقير على هذه الملفات باعتبارها من أبرز العوائق التي تواجه القطاع الخاص، داعيا إلى معالجتها بالتوازي مع العمل على الاتفاقيات الاقتصادية. الاتفاقيات الـ42: من التفاوض إلى التنفيذ الحديث عن نحو 42 اتفاقية قيد البحث بين البلدين اكتسب أهمية خاصة خلال المنتدى. فالهدف ليس زيادة عدد الاتفاقيات الموقعة، بل إنشاء إطار قانوني واضح يسمح للقطاع الخاص بالعمل.وتشمل الملفات المطروحة الاستثمار والضرائب والتجارة والزراعة والجمارك وغيرها. وكلما أصبحت القواعد المتعلقة بهذه الملفات أكثر وضوحا واستقرارا، أصبح المستثمر أكثر قدرة على تقدير المخاطر والتكاليف واتخاذ القرار.أما بقاء الإجراءات خاضعة للتفسيرات المتغيرة أو التعقيدات البيروقراطية، فيبقي الشراكة الاقتصادية دون مستوى الإمكانات المتاحة. الأمن والسياسة: انفتاح تدريجي لا يمكن فصل الانفتاح الاقتصادي عن الواقع الأمني والسياسي في المرحلة الانتقالية التي يعيشها البلدان. وقد ظهر خلال النقاش اتجاه نحو معالجة المخاوف تدريجا، بدل الانتقال مباشرة من