المتّهَم من قبل العروبيين بأنه انفصالي، مظلوم عبدي، أعلن يوم الثلاثاء الفائت حلّ ميليشيا قسد، ليكتمل اندماج منظومة الإدارة الذاتية "الكردية" بالسلطة المركزية في دمشق. بينما، بفرق ساعات لا أكثر، كان الشيخ الهجَري يقول إن الدروز جزء لا يتجزأ من إسرائيل، ليخالف بذلك إرثاً درزياً قبل أن يكون سورياً، مفاده أن الدروز هم أولياء الوطنية السورية، عطفاً على اختيار سلطان باشا الأطرش زعيماً للثورة السورية الكبرى أيام الانتداب الفرنسي، ورمزية الاختيار في تلك اللحظات التأسيسية. المفارقة بين الموقفين التقطها جمهور الموالاة للإشادة بموقف عبدي، ووطنيته، بالمقارنة مع موقف الهجري في الاتجاه الآخر تماماً. لكن، أبعد من جمهور السلطة، من المؤكد أن موقف عبدي أرضى شرائح واسعة ومتباينة من غير الأكراد، أولئك الذين رأوا دائماً في الحركة الكردية بذرة انفصالية. وأيضاً، أبعد من جمهور الموالاة، من المؤكد أن موقف الهجري من إسرائيل يلقى الشجب والاستهجان من جمهور واسع معادٍ لإسرائيل بطبيعة الحال على أرضية الموقف من القضية الفلسطينية، وأيضاً بسبب الاحتلال الإسرائيلي لأراضٍ سورية في حرب 1967، ثم بعد سقوط الأسد. المفارقة تكتمل إذا عدنا سنوات إلى الوراء، فانتفاضة السويداء ضد الأسد استرجعت المكانة التأسيسية للدروز، وأعادت الاعتبار لفكرة الثورة بعدما ضاعت في زواريب الحرب والتفاهمات الخارجية على مناطق خفض التصعيد، وعلى مناطق النفوذ ضمناً. فعلياً، خرجت السويداء وقتها عن سيطرة الأسد المخابراتية والعسكرية، وهو إنجاز كان يوجّه في وقته إنذاراً إلى القوى الإقليمية الراغبة في إعادة تدويره بأن صلاحيته قد انتهت حقاً. الهجَري نفسه بدا للبعض كنواة مشروع وطني، يذكّر على نحو ما بسلطان باشا الأطرش رغم الفارق بين الشخصيتين وفي الظروف العامة. على الصعيد الكردي، من المعلوم أن وحدات الحماية الكردية سيطرت على المناطق التي انسحب منها الأسد طوعاً. كان رهان الأسد هو التخلص من عبء الالتزام بتلك المناطق، في وقت يحتاج فيه إلى تركيز جهوده العسكرية في أمكنة أخرى. في الوقت نفسه كان الأسد مطمئناً إلى المستقبل، فيما لو قُيّض له البقاء في السلطة، فالجار التركي لن يسمح أبداً بنشوء كيان كردي محاذٍ له من الأراضي السورية، خصوصاً لأن الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني هو الذي يتزعّم المشروع، وفوق الحرب التاريخية بين أنقرة والحزب ثمة عداء إضافي، مصدره نفوذ الحزب في سوريا، والعدد الضخم من المتطوعين السوريين للقتال إلى جانبه، في حربه التركية قبل تطورات الثورة والحرب في سوريا. لاحقاً أتى الدعم الأميركي لقسد، بعدما أفشل أخوة المنهج محاولة واشنطن اعتماد حليف عربي لمحاربة داعش. المظلة الأميركية أعادت إلى الأذهان الدور الأميركي في منح أكراد العراق حكماً ذاتياً لا يلزمه الكثير ليدخل مرحلة الاستقلال، وهنا اكتسبت قسد شعبية أكبر مما قبل بين الأكراد، وراح جمهورها بقديمه وجديده يحلم بسيطرة مستدامة على أراضٍ واسعة مما يعتقد أنها تعود لكردستان التاريخية. الحالمون في تلك الأيام لم يكونوا بالتأكيد يتوقّعون هذا المآل: أن يعلن قائد قسد حل قواته، وأن يُعيّن كمستشار في رئاسة الجمهورية، وهذا أقل من منصب، وأن تُعيّن إلهام أحمد التي كانت يوماً الرئيسة المشاركة لمناطق الإدارة الذاتية عضواً في مجلس الشعب. لجسْر الهوة الشاسعة بين الأحلام الكردية قبل سنوات وتواضع النتائج تحضر الواقعية السياسية كتبرير، جمهور قسد ركّز على الإيجابيات مثل الحق بتعلّم اللغة الكردية، والحق بتعلّم بعض المقررات الدراسية بها. الجمهور نفسه تجاهل التدنّي الكبير في سقف المطالب السياسية، وهو ما يشير إليه المنصبان اللذان أوكلا إلى عبدي وإلهام أحمد، وكونهما على سبيل التشريف لا التكليف. ولن يكون، في المدى المنظور، نقاش جاد في الواقعية السياسية المبنية على مصالح قوى الخارج، ما دام المبدأ سارياً، وما دام أربابه خارج المحاسبة. في مثل هذه الأيام قبل ثلاث سنوات قال الهجري ما معناه إنَّ: الذي لا يعرف التاريخ من الأفضل أن يسكت. وكان يقصد بكلامه بشار الأسد الذي وصف حينذاك العلم ذا الثلاث نجمات بأنه علم الانتداب، وهو العلم الذي رفعته الثورة، ورفعه المنتفضون في السويداء ضد الأسد وقتها. فالعلم الذي صار العلم الرسمي بعد إسقاط الأسد يرمز أصلاً، بنجماته الثلاث، إلى الاتحاد السوري على أنقاض الدويلات التي كان الانتداب قد أسسها، ثم تراجع عنها، ومنها دولة الدروز ودولة العلويين. ويبدو أن الشيخ الهجري نسي مطالبته الأسد بقراءة التاريخ، فحديثه الأخير الذي أثار الضجة والاستياء فيه ما فيه من المغالطات التاريخية التي يجب ألا يقع فيها قارئ متواضع للتاريخ السياسي ولتاريخ العقائد في المنطقة. فقوله مثلاً إن جبل "باشان" هو تاريخياً ضمن دولة إسرائيل يتلاقي مع الدعاوى الإسرائيلية التاريخ