حزب الله، كيف أحاورك؟ جملتي فرديّة "الأنا" ولا تدّعي أنها "نحن" الجماعة، ومن موقع الفرد الخاص صدر قول كثير حاول التأسيس على بعض الثوابت، مثلما حاول الوصول إلى بعض المشترك، لكن المحاولات تعثّرت لأنها ظلّت بلا اتصالٍ مع قول "الحزب"، وظلّت على مسافة متفاوتة من البعد، مع أقوال الطيف اللبناني المتعدّد الألوان. أعود إلى السؤال، لأبني تداعياته على ما أعتبره مسائل أساسية في النقاش الوطني العام السائد اليوم، ما تعلّق منه بالخلاف مع خطاب الحزب السياسي، وما اقترب منه من هذا الخطاب. ما أعتمده تأسيسيّاً، يبدأ من كلمة "المقاومة"، فهذه كنت وما أزال أحيلها إلى فعل جمعي بادرت إليه الأحزاب اللبنانية، باسم ثلاثة تنظيمات سنة 1982، وباسم من التحق ببيان تلك التنظيمات، الذي صار رديفاً لاسم جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية. إذن، في الأصل الاسم، الذي لي ولتنظيمي، حصة وازنة منه، لذلك لا أوافق على أخذ كلمة المقاومة إلى حزب الله، الذي استكمل عملية التحرير، ولم يكن مؤسسّها، ولم يكن بطل قتالها الوحيد. من الماضي الحقيقي، إلى الحاضر الحقيقي. لم يكن الخلاف مع حزب الله حول مسألة الواجب الوطني المتمثّل في قتال الاحتلال الإسرائيلي، بل كان في توظيف حصيلة القتال في توازنات النظام الطائفي اللبناني، ولم يكن الخلاف حول واجب اللبنانيين في النهوض إلى مهمة تحرير بلدهم، بل كان وما زال في الحفاظ على استقلالية قرار المقاومة الوطنية، وفي حريّة اتخاذ هذا القرار، وفي بقائها على جادة اللبنانية الداخلية، وفي إضافة وزن "ثمار" التحرير، إلى مثقال الوطنية اللبنانية، بعيداً من "المحْوَرَة"، وبعيداً من القبول بقرار ربط الداخل بقرار الخارج، وبعيداً جداً، من السماح ببقاء المدى اللبناني ميداناً وساحة لصراع القوى الإقليمية. من الحاضر الحقيقي أيضاً، ذهاب حزب الله إلى حَرْبَي إسناد، أولاً لغزّة، وثانياً لإيران، في الحربين المذكورتين، ساجلنا مع سائد القول من موقع فهم دوافع حزب الله، وناقشنا من موقع المواكبة، في المفيد من شعاراته ومن أدائه القتالي، مثلما دعونا إلى الابتعاد عن ما هو مُضرّ وغير ذي فائدة، في القول وفي الميدان. من بعض التفصيل التذكيري، لقد قلنا باكراً أن غزّة باتت محتلّة، لذلك لا تطابق نظرية "الإسناد" واقع الحال، فهذا الأخير اتّخذَ في غزّة، شكل أعمال "الكمائن"، بعد أن سقطت الخطوط الدفاعية الأمامية. في امتداد ذلك، اقترحنا على الحزب حصر إسناده في مزارع شبعا، فهذه تحظى بغطاء داخلي وخارجي، هذا على رغم علمنا بمن كان وراء "المزارع"، الذي جعل البلد رهينة منذ سنة 2000 وحتى تاريخه. ما اقترحناه من تكتيك ميداني، ومن قول سياسي، لم يَلْقَ تفاعلاً ولا انفعالاً ولا تعديلاً... من جانب حزب الله، وما زال القول حتى يومنا هذا لا يلقى إلاّ آذان التجاهل وجدران الصدّ. من حاضر السرد الماضي، المختلف على رويّة، والمخالف فوق أرض المسؤولية الوطنية المشتركة، إلى حاضر النتائج التي نجمت عن حرب الإسناد الثانية، دعماً لإيران، وثأراً لاستهداف مرشد الجمهورية. هنا كما هناك، لا يدور الخلاف مع الحزب حول وصف الكيان الصهيوني وأطماعه التوسّعية، بل يدور حول التقدير السياسي الخاطئ الذي سمح للعدو بإطلاق حربه العدوانية على لبنان. فاصلٌ تذكيري، هنا أيضاً، بعد دخول حزب الله المعركة، جاء من يبلغ لبنان والحزب والشيعية السياسية، بضرورة وضع حدّ لمعركة إسناد الحزب، في مقابل تنفيذ القرار الدولي 1701 ومنع انتقال الآلة الحربية الإسرائيلية إلى مرحلة تنفيذ تهديدها بالدخول إلى لبنان. دعونا مع الداعين، إلى التقاط اللحظة ووضع نقطة وقف على المشاركة القتالية، وذكّرنا أن "الحزب" قد قام بواجبه في ميدان غزّة... لكن ذلك لم يثمر، وظلّ الانفراد بقرار السلم والحرب امتيازاً "للمقاومة الإسلامية"، التي قرأت في كتابها فزادت في زخم قدراتها، وأنقصت باستنساب، من قدرات عدوّها، وأطلقت وعوداً تحريريّة داعبت خيال "المبتدئين" سياسيّاً وعسكريّاً، لكنها لم تنل من هدوء ورصانة من اختبروا القتال بشقّيه، النظامي والمقاوم. هؤلاء نظروا إلى الأمر من زوايا خالفت زوايا نظرات حزب الله، وقدموا مطالعات في هذا الشأن، واقترحوا سياسات بديلة... لكن، وعلى عادة الحزب، تجاهل الناصح، وصدّ المخالف. والآن، يمضي الحزب في "التعالي" ذاته على الوضع، بعد أن بلغ حدّاً كارثيّاً، هو يطلب في صيغة الآمر، ويحدّد بلهجة "المرشد"، ويهدّد بنبرة المؤدّب الزّاجر. من دون إطالة، هذه إدارة سياسية مرفوضة، ومن موقع المسؤولية المشتركة نكرّر، والتكرار مفيد في هذا المقام، أن خلافنا مع الحزب ليس حول الأسلوب الأجدى لصيانة المصالح الوطنية اللبنانية، بل حول توجيه السهام إلى "الدولة"، بخطاب سياسي يلحق الضرر بهذه المصالح. إذن، ولأننا في إزاء سياسة مفاوضات يديرها رأس الحكم، نعيد تحديد الخلاف مع هذه السياسة،