عندما خيّر الرئيس الأميركي دونالد ترامب خلال خطابه الناري أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة إيران الثلاثاء، بين أن تتعرض لـ"الإبادة" أو إبرام اتفاق مع الولايات المتحدة يجعلها دولة "أعظم مما كانت عليه من قبل"، أثبت أنه فعلاً لا يملك خيارات للخروج من حرب توشك على إتمام شهرها السابع. ثمة دليل ساطع على ذلك. بينما كان ترامب يطلق تهديد "الإبادة" من على منبر المنظمة الدولية التي نشأت عقب الحرب العالمية الثانية، لتفادي تكرار الحروب وترسيخ السلام، كان مبعوثاه ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر يعقدان أول اجتماع (ولو غير مباشر) مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بوساطة قطرية منذ حزيران/يونيو الماضي، ويتسلمان المطالب التي رفعتها طهران للعودة إلى طاولة الحوار. ولم يكن مفاجئاً أن يصف ترامب الاجتماع بأنه "جيد ومثمر"، قائلاً إن "العلاقات مع إيران آخذة في التطور"، وبأن الإيرانيين يريدون إبرام صفقة مع أميركا. فهذه ليست المرة الأولى التي يتأرجح فيها ترامب بين التهديد بـ"محو الحضارة الإيرانية" والعودة إلى المفاوضات، على رغم أن هذه الاستراتيجية أثبتت فشلها في إيجاد مخرج من الحرب، التي انتقلت إلى السعودية واليمن، وباتت تنذر بانفجار إقليمي أوسع وبصدمة نفطية عالمية جديدة، تقود اقتصادات الدول إلى الركود. سعى ترامب في خطابه إلى البعث برسالة واضحة لإيران مفادها أنه لا يعير الانتخابات النصفية في 3 تشرين الثاني/نوفمبر أدنى اهتمام لأنه "ليس مرشحاً فيها"، وبأنه باقٍ من ولايته سنتان ونصف السنة. مؤدى هذا الكلام أن نتائج الانتخابات لن تؤثر على أي قرار سيتخذه، سلباً أو إيجاباً، إزاء إيران، التي تراهن على أن الرئيس الأميركي لن يكون بعد هذه الانتخابات، التي من المرجح أن يفوز فيها الديموقراطيون بالغالبية في الكونغرس أو على الأقل في مجلس النواب، قادراً على اتخاذ قرارات كبرى، إذ ستوجّه ضربة سياسية كبيرة لترامب وتجعله "بطة عرجاء". حديث ترامب زاد من قلق المرشحين الجمهوريين، بلا أدنى شك، أكثر من قلق إيران. وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يصل إلى مقر الأمم المتحدة في نيويورك للمشاركة في أعمال الدورة الـ81 للجمعية العامة، 22 أيلول/سبتمبر 2026. (أ ف ب) وإذا كان من غير الجائز التقليل من أهمية اجتماع نيويورك، فلا مناص من طرح السؤال: إلى أي مدى يمكن البناء عليه للتقدم أكثر، نحو صيغة مقبولة من الطرفين لخفض التصعيد والعودة إلى الحوار؟ تجدر الإشارة هنا إلى أنه مع وصول الوفد الإيراني إلى نيويورك، نُقل عن مسؤول إيراني كبير أن بلاده مستعدة لفتح مضيق هرمز في غضون أسبوع، في حال اتخذت أميركا خطوات في المقابل لتخفيف ضغطها العسكري والاقتصادي على إيران، والذي تبدّت آخر معالمه في عقوبات مشلّة على الطيران المدني الإيراني اعتباراً من 23 أيلول/سبتمبر الجاري. في الأيام الأخيرة، كانت إيران قد حددت مطالب أكثر تشدداً كشرط مسبق للعودة إلى الحوار. ومنها رفع الحصار البحري عن الموانئ الإيرانية، وإنهاء الحروب على "كل الجبهات" في إشارة إلى لبنان واليمن، والتزام أميركي بوقف أي أعمال عدائية ضد إيران، ورفع العقوبات والإفراج عن الأموال المجمدة. وبحسب المسؤول الإيراني الكبير، فإن الموقف الجديد يلقى قبولاً لدى المرشد مجتبى خامنئي ومجلس الأمن القومي، مع أن وسائل إعلام قريبة من الحرس الثوري نفت وجود تغير في المطالب الإيرانية. لكن الحرس كان أعلن في بيان في وقت سابق أنه لا يرى تناقضاً بين التفاوض والقتال في الوقت نفسه. وهو موقف عبّر عنه أيضاً كبير المفاوضين الإيرانيين محمد باقر قاليباف. وبكلمات لا تحسم ما إذا كانت إيران قد غيرت موقفها، صرّح الناطق باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي بأن طهران نقلت إلى واشنطن عبر الوسيط القطري شروطاً تشمل إنهاء الحرب على كل الجبهات، ووقف ما وصفتها بأنها "أعمال عدوانية" أميركية، وإنهاء الحصار البحري والحرب الاقتصادية، والإفراج عن أصول إيرانية. في الصفقة التي أبرمها مع الدنمارك الثلاثاء بشأن غرينلاند، لم يحقق ترامب مطلبه الأقصى بضم الجزيرة، واضطر للقبول بحل يسلّم بسيادة كوبنهاغن عليها.