في اليوم الذي أعلن فيه مظلوم عبدي انتهاء مهمة قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، وحلّها كقوة عسكرية مستقلة واندماجها في مؤسسات الدولة السورية، كان الشيخ حكمت الهجري في السويداء يلقي خطاباً في الاتجاه المعاكس. يوم 25 آب/ أغسطس الماضي، أعلن عبدي من دمشق طي صفحة "قسد" ككيان عسكري مستقل، بعد مسار طويل من التفاوض والتصعيد والاتفاقات، مؤكداً أن المرحلة الجديدة عنوانها السلام والاستقرار وبناء سوريا الجديدة. الإعلان جاء بعد أيام من تأكيده اكتمال عملية الدمج العسكري والأمني والإداري ضمن مؤسسات الدولة. في اليوم نفسه، انتشرت تصريحات مصورة للشيخ حكمت الهجري، أحد مشايخ عقل الطائفة الدرزية في سوريا، قال فيه إن الموحدين الدروز "جزء لا يتجزأ من دولة إسرائيل"، ومتحدثاً عن اشتراك معها في العقيدة والفكر، ومشيراً إلى تطورات مرتقبة في ملف السويداء. كما تحدث عن مستقبل المحافظة التي يسميها "باشان" وجدد التأكيد على حقها في تقرير مصيرها. لا يعني التزامن بالضرورة وجود علاقة مباشرة بين الحدثين، لكن وضعهما في سياق واحد يكشف مفارقة سورية لافتة: بينما كان أحد أكثر الكيانات المسلحة والتنظيمات المحلية استقلالاً عن دمشق يعلن نهاية بنيته العسكرية والإدارية والعودة إلى مؤسسات الدولة، كان خطاب القيادة الدينية والسياسية الأكثر نفوذاً في السويداء يذهب أبعد في تثبيت مسار مختلف. وتزداد دلالة هذا التزامن مع اجتماع سوري إسرائيلي استضافته عمّان في 23 آب/ أغسطس بوساطة أميركية، في محاولة لخفض التصعيد وفتح مسار تفاوضي بين دمشق وتل أبيب. وبعد الاجتماع بيومين، كان وزير الأمن الإسرائيلي يسرائيل كاتس على قمة جبل الشيخ السوري، معلناً أن إسرائيل لن تغادر المنطقة الأمنية ما دامت تعتبر أن هناك تهديدات لها، وموجهاً رسالة مباشرة إلى الرئيس السوري أحمد الشرع بأنَّ الجيش الإسرائيلي سيبقى في مرمى نظره من دمشق. تقول مصادر مطلعة من داخل السويداء، لـِ "المدن"، إنَّ الأشهر الأخيرة حملت مؤشرات متزايدة على عودة تدريجية للمؤسسات الرسمية إلى التواصل مع المركز، وإن كان ذلك يجري في كثير من الأحيان بعيداً عن الأضواء. وتشير مصادر "المدن" في عدد من المؤسسات الحكومية، إلى أنَّ دوائر رسمية في المحافظة عادت تدريجياً إلى التواصل مع الوزارات المركزية، بعد أشهر من القطيعة الإدارية. كما تحسّن انتظام صرف الأجور والمستحقات، فيما بدأت بعض المؤسسات الحكومية بإعادة ترتيب عملها وفق التسلسل الإداري المعتاد، من ضمنها مديرية التربية التي عينت الوزارة في دمشق نائب مدير فيها، وتتجه لحل أزمة مدير التربية. وفي قطاع المياه، يقول مصدر في المديرية إنَّ إدارة المؤسسة باتت تعمل من دمشق، ومن قرية الصورة الصغيرة، التي تحولت إلى مركز إداري مؤقت لمتابعة شؤون المحافظة. فيما تعمل كوادر المؤسسة من داخل مدينة السويداء الخارجة عن سيطرة الحكومة. كذلك بالنسبة لمديرية الصحة التي أعادت صرف رواتب موظفيها بانتظام داخل السويداء، بعد حصولها على موازنة من الوزارة في دمشق. أيضاً تشير تقارير محافظة السويداء إلى افتتاح مراكز حكومية في قطاعات مختلفة بينها النقل والنفوس، في قرية الصورة الصغيرة، إلى جانب عودة فروع مصرفية إلى العمل. ولا يقتصر الأمر على المؤسسات المركزية، حتى البلديات الواقعة ضمن مناطق نفوذ الحرس الوطني عادت إلى التنسيق المباشر مع محافظ السويداء مصطفى البكور، الذي واصل عقد اجتماعات مع رؤساء الوحدات الإدارية ومناقشة موازنات عام 2027 واحتياجاتها الخدمية، وفق ما أبلغ مصدر في بلدية السويداء "المدن". "إدارة باشان" بين السياسة والأمن تنعكس هذه التعقيدات أيضاً، في البنية التي أنشأها الشيخ الهجري لإدارة المناطق الواقعة تحت نفوذه. في نيسان/ أبريل الفائت، حلّ الهجري "اللجنة القانونية العليا" وكلف القاضي شادي فايز مرشد بتشكيل "مجلس الإدارة في جبل باشان"، باعتباره إدارة أزمة يفترض أن تتولى ملفات الحياة اليومية والخدمات والأمن الداخلي. لكن بعد أشهر، لم يتحول هذا المسار الإداري إلى بديل عن مؤسسات الدولة السورية. مرشد نفسه تحدث في تصريحات صحافية الأسبوع الماضي، عن ضرورة الفصل بين الملفات السياسية والملفات الخدمية، وعدم اعتبار تواصل المؤسسات مع الوزارات المركزية عائقاً أمام الموقف السياسي. في المقابل، يتركز اهتمام القيادة المحسوبة على الشيخ لهجري بدرجة أكبر على تثبيت البنية الأمنية والعسكرية. الحرس الوطني وقوى الأمن الداخلي يشكلان العامود الفقري للنفوذ المحلي في مناطق سيطرته، وقد شهدت هذه التشكيلات خلال الفترة الأخيرة عمليات إعادة تنظيم وضم عناصر جديدة. كما تشير تقارير صحافية إلى انتظام دفع رواتب العناصر خلال الشهرين الماضيين، من دون أن يتضح بصورة مستقلة مصدر التمويل. وتستبعد المصادر التي تحدثت لها "المدن"، أن تكون دمشق مصدراً لتمويل هاتين ا