قد يكون إعلان مظلوم عبدي في 25 الجاري حل "قوات سوريا الديمقراطية" واندماجها في مؤسسات الدولة السورية أكثر من مجرد تسوية بين دمشق والأكراد. فالخطوة، إذا اكتمل تنفيذها، تنهي وجود إحدى أكبر القوى العسكرية المستقلة عن الحكومة المركزية، وتعيد إلى دمشق السيطرة على مساحة واسعة وموارد ومؤسسات كانت خارج سلطتها. ومن هنا تبرز فرضية أن الاتفاق لا يعيد ترتيب العلاقة بين دمشق والأكراد فحسب، بل يساهم في إعادة رسم موازين القوى داخل سوريا وحولها. والحدث، بالطبع، لم يأت منفصلاً عما يدور في سوريا وحولها في الفترة الأخيرة. فقد سبق الإعلان بيوم واحد رفع إسم سوريا عن قائمة "الدول الراعية للإرهاب"، الذي أدرجته الولايات المتحدة في عهد حافظ الأسد العام 1979. كما لا تزال تتردد أصداء القصف الإسرائيلي لمطار أبو الظهور السوري وما تبعه من اشتباك سياسي بين تركيا وإسرائيل، تخوف البعض من أن يتحول إلى صراع مسلح على الأراضي السورية. وفي السياق يأتي أيضاً ما أُعلن عن اتصالات متكررة من قبل رئيس جهاز الموساد بوزير الخارجية السوري، واللقاء بين الطرفين في الأردن. ويصعب فهم إعلان دمشق بعد ذلك عن عودة المفاوضات مع إسرائيل، إلا في إطار تخوفها من انفجار التوتر التركي الإسرائيلي عسكرياً ومحاولة تفاديه. لا شك في الأهمية الإستراتيجية الكبيرة للاتفاق بالنسبة إلى السلطة السورية وترسيخ دعائمها، على الرغم مما يحيط بتنفيذه في الواقع من مخاطر الصراع الإقليمي المحتدم حول سوريا، خصوصاً الصراع التركي الإسرائيلي بعد تلاشي النفوذ الإيراني فيها. ووفق الإعلام الإسرائيلي، يمثل الاتفاق نجاحاً تركياً كبيراً "من دون طلقة رصاص واحدة". وكالة الأنباء الإسرائيلية الناطقة بالروسية cursor نقلت في 27 الجاري عن صحيفة معاريف مقتطفات من نص بعنوان "من دون إطلاق رصاصة واحدة: نجاح كبير لأردوغان في سوريا". رأت معاريف أن الرئيس التركي قد حصل على أفضلية سياسية مهمة في مسألة تشكيل واقع إقليمي جديد في الشرق الأوسط. في الأيام الأخيرة، تتطور في سوريا عملية واسعة النطاق، إذ إن القوات الكردية، وتحت ضغط السلطات السورية المدعومة من تركيا، ونتيجة للجهود الدبلوماسية، وافقت على حل تشكيلاتها المسلحة ودمج مقاتليها في وحدات الجيش السوري الرسمي. وتضيف الصحيفة بالقول إنَّ ما يحدث في سوريا يصفونه في إسرائيل بأنه هزيمة استراتيجية. ويرى ممثلو المنظومة الأمنية والأوساط الأكاديمية أنَّ غياب استراتيجية سياسية طويلة الأمد، يجبر إسرائيل على التحرك في ظروف تحددها الولايات المتحدة واللاعبون الإقليميون الآخرون، الذين لا تتطابق مصالحهم دائمًا مع المصالح الإسرائيلية. موقع The insider الروسي المعارض نشر في 28 الجاري نصاً تحت عنوان مطول اقتبسه من خبير بالشؤون السورية "نزع سلاح الأكراد السوريين تمّ مقابل "إجراءات متواضعة" إلى حدٍّ ما. وهذه التفاهمات لا تزال في دائرة الخطر". نقل الموقع عن كبير محللي الشؤون السورية في مجموعة الأزمات الدولية International Crisis Group)) السوري نانار هواش قوله إنَّ الأكراد يرون أنَّ ما حصلوا عليه مقابل الاندماج في الدولة السورية لا يزال متواضعاً جداً، بالنظر إلى حجم التنازلات التي اضطروا إلى تقديمها. فقد بات الأكراد الآن يعتمدون على دمشق في أمور كانوا في السابق يؤمّنونها إلى حدّ كبير بأنفسهم. ويُعدّ منحهم الجنسية، وإتاحة التعليم باللغة الكردية، وتخصيص مناصب لقادتهم، مكاسب مهمة بعد عقود من الرفض والحرمان. لكن هذه المكاسب تأتي في مقابل التخلي عن الإدارة والقوات المسلحة وعائدات النفط، وهي أمور كانت القيادة الكردية تسيطر عليها بشكل مستقل في السابق. ولا يوجد حتى الآن ما يضمن أياً من هذه المكاسب في الدستور، وهذا ما يعني أنها قد تُسحب من جانب السلطة نفسها التي منحتها. ومع ذلك، يرجح الخبير أن يصمد التفاهم ويبقى قائماً،على الأقل، ما دامت المصالح التي تقف وراءه قائمة. فدمشق تريد استعادة وحدة البلاد، وأنقرة تريد إنهاء مسار السلام الداخلي، بينما تريد واشنطن تأكيد صواب رهانها على سوريا. ويرى أن الخطر الأكثر واقعية يتمثل في "عدم تنفيذ الالتزامات بروية، وليس التراجع عنها". كما ينقل الموقع عن كبير الباحثين في مجلس العلاقات الدولية الأميركي CFR الأميركي من أصل تركي هنري باركي، المتخصّص بالشؤون التركية والأكراد، بأنه يرى من الصعب التنبؤ بالتطورات المقبلة، لأن الكثير يعتمد على تطور أحداث تقع "خارج نطاق سيطرة الطرفين". ويرى أن السبب في ذلك يعود إلى أننا نتعامل مع زعيم سابق لهيئة تحرير الشام، ممثلاً بأحمد الشرع، الذي لم تتضح توجهاته الأيديولوجية بعد بصورة كاملة. ولديه خبرة محدودة في ما يمكن أن نطلق عليه الحكم "الديمقراطي". وقد منَح مظلوم عبدي منصبًا لا يتمتع بوزن كبير، وستكون الطريقة التي سيتعامل بها مع الزعيم الكردي ذ