بين تحذيرات من هجوم روسي واسع جديد ومحاولات لإحياء المسار الدبلوماسي قبل حلول الشتاء، تدخل الحرب في أوكرانيا مرحلة حساسة تتقاطع فيها التحركات العسكرية مع اتصالات مكثفة في نيويورك، فيما لا تزال الفجوة كبيرة بين كييف وموسكو حول شكل وقف القتال وما إذا كان ينبغي أن يكون هدنة مؤقتة أم اتفاقًا دائمًا. وبحسب تقرير للصحافي أرنون شفارتسمان في موقع "mako" الإسرائيلي، أعلن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أن لدى بلاده معلومات استخباراتية تشير إلى أن روسيا تستعد لشن هجوم جديد واسع النطاق على أوكرانيا. وقال زيلينسكي في منشور عبر "تلغرام" مساء الثلاثاء، عقب اجتماعه مع رئيس الوزراء البريطاني آندي برنهام على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة: "لدينا الآن معلومات استخباراتية تفيد بأن روسيا تستعد لهجوم جديد وواسع النطاق على أوكرانيا". وأضاف أن كييف تبقى على اتصال متواصل مع حلفائها في محاولة للحصول على منظومات دفاع جوي جديدة، مشددًا على أنه لا يمكن، تحت أي ظرف، الحديث عن تخفيف العقوبات المفروضة على روسيا "في وقت يعيش فيه الأوكرانيون يوميًا تحت تهديد هجمات الصواريخ والطائرات المسيّرة". ويشير التقرير إلى أن القوات الروسية تنفذ منذ فترة طويلة هجمات ليلية واسعة باستخدام المسيّرات والصواريخ، لكنها غيرت أسلوبها خلال الأسابيع الأخيرة، وباتت تنفذ موجات متتالية من الهجمات على مدار ساعات النهار أيضًا. وفي الأشهر الأخيرة، أدخلت موسكو كذلك طائرات مسيّرة مزودة بمحركات نفاثة، قادرة على التحليق على ارتفاعات أعلى وتجاوز بعض وسائل الدفاع الجوي، ما تسبب باضطرابات أوسع في الأعمال والخدمات الحكومية والحياة اليومية، في حرب دخلت عامها الـ4 ونصف العام. وفي موازاة التحذيرات العسكرية، بحث زيلينسكي خلال وجوده في نيويورك مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب الجهود الرامية إلى إنهاء الحرب، بما في ذلك إمكان التوصل إلى اتفاق ثنائي لوقف إطلاق النار يتضمن ترتيبات مرتبطة بمنشآت الطاقة. وقال زيلينسكي إن واشنطن وكييف تريدان إنهاء الحرب مع روسيا قبل حلول الشتاء، وهو موقف كرره بعد لقائه ترامب في نيويورك. وأوضح أن الجانبين بحثا "خطوات محتملة لخفض التصعيد يمكن أن تمهّد الطريق للدبلوماسية". وكان زيلينسكي قد أعلن في وقت سابق من اليوم نفسه أن أوكرانيا مستعدة لوقف استهداف منشآت الطاقة الروسية إذا وافقت موسكو على اتخاذ خطوة مماثلة. وقال للصحافيين على هامش الجمعية العامة في نيويورك: "نحن مستعدون لأي صيغة لوقف إطلاق النار في مجال الطاقة"، مشترطًا أن تتعهد روسيا "بعدم مهاجمة منظومة الطاقة لدينا". لكن الملف العسكري يبقى حاضرًا بقوة، ولا سيما أزمة صواريخ منظومة "باتريوت". وقال زيلينسكي في مؤتمر صحافي إنه لم يحصل من ترامب على جواب محدد بشأن تقديم صواريخ إضافية لمنظومات الدفاع الجوي الأوكرانية، مؤكدًا أنه منفتح على آليات مختلفة للحصول على الاعتراضات التي تحتاج إليها كييف. وفي 8 أيلول، وافقت دول الاتحاد الأوروبي على استثناء يسمح لأوكرانيا باستخدام أموال من برنامج التمويل الأوروبي البالغ 90 مليار يورو لشراء صواريخ "باتريوت" الأميركية، في خطوة تستهدف تعزيز قدراتها الدفاعية الجوية قبل الشتاء. وتشمل الموافقة تخصيص نحو 3.2 مليارات يورو لهذه المشتريات ضمن القرض الأوروبي. وفي الجهة المقابلة، تتمسك موسكو بموقف مختلف من أي وقف محتمل للقتال. فقد أعلن الكرملين في وقت سابق من هذا الأسبوع أن روسيا تسعى إلى "سلام دائم" في حربها مع أوكرانيا، لا إلى مجرد هدنة أو وقف مؤقت لإطلاق النار. وقال المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف إن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين شدد مرارًا على أن موسكو تؤيد "سلامًا مستقرًا"، معتبرًا أن الهدنة وحدها "لن تؤدي في جوهرها إلى أي نتيجة". وأضاف بيسكوف أن كييف "تعرف جيدًا" القرارات التي يتعين عليها اتخاذها للدخول في مسار يؤدي إلى سلام دائم، واتهم زيلينسكي بتقديم مواقف متناقضة من يوم إلى آخر بشأن استمرار الحرب أو وقفها. وبين معلومات كييف عن هجوم روسي واسع محتمل، والحاجة الملحّة إلى مزيد من صواريخ الدفاع الجوي، ومحاولة فتح نافذة تفاوضية حول منشآت الطاقة، تبدو الأسابيع التي تسبق الشتاء اختبارًا مزدوجًا للطرفين: موسكو التي تتمسك باتفاق دائم وفق شروطها، وكييف التي تحاول وقف التصعيد من دون خفض مستوى الضغط العسكري والسياسي على روسيا.