لم يكن “التيار الوطني الحر” يحتاج إلى حملة دفاعية، بقدر ما كان يحتاج إلى أن تتسلّم “القوات اللبنانية” وزارة الطاقة، ثم تستخدم، عند أول أزمة جدّية، منطق الأعذار نفسه الذي أمضت سنوات في مهاجمته. خلال أشهر، قدّمت “القوات” إلى خصمها السياسي ما عجز عن تقديمه لنفسه: حجّة جاهزة تقول إن المسؤولية موزّعة، وإن الوزير لا يستطيع أن يقرّر وحده، وإن مجلس الوزراء هو صاحب القرار. حين كانت الوزارة في عهدة “التيار”، كانت المسؤولية تُختصر بالوزير وفريقه السياسي. وحين أصبحت في عهدة “القوات”، اتّسعت فجأة لتشمل الحكومة بأكملها. وحده المواطن بقي في الموقع نفسه: يدفع الفاتورة ويتحمّل العتمة. لم تتسلّم “القوات”، وفق المعطيات المالية المتداولة، قطاعًا خاليًا من الموارد أو تعرفة عاجزة أصلًا عن تغطية كلفة الإنتاج. فقد تسلّمت وزارة تعمل وفق تعرفة أُقرّت بين عامَي 2022 و2023، على أساس سعر للغاز أويل يقارب 1000 دولار للطن، مع احتساب نحو 40% من الهدر والفقد وعدم التحصيل، بهدف الوصول إلى التوازن المالي. كما استفادت المرحلة الأولى من فائض عقد استبدال الفيول العراقي، ومن 9 بواخر غاز أويل لم تضطر مؤسسة كهرباء لبنان إلى تمويل شرائها من سيولتها، إذ كان الوزير السابق وليد فياض قد وقّع العقد خلال مرحلة التسليم والتسلّم. يُضاف إلى ذلك نحو 150 مليون دولار كانت موجودة في حسابات المؤسسة، فضلًا عن متأخرات فوترة وتحصيل تعود إلى سنة سابقة. وهنا يُطرح السؤال: كم من التحسّن المالي نتج فعلًا عن الإدارة الجديدة، وكم منه جاء من ترتيبات وإيرادات موروثة؟ في كانون الأول، جرى الاحتفاء بفائض قدره مليون ونصف مليون دولار بوصفه إنجازًا. لكن السؤال الذي غاب عن الاحتفال كان أكثر أهمية: لماذا اقتصر الفائض على هذا المبلغ، في ظل الموارد الموروثة وانخفاض سعر الغاز أويل، بحسب الأرقام المعروضة، إلى نحو 700 دولار للطن، فيما بقيت التعرفة مبنية على سعر يقارب 1000 دولار؟ فالإنجاز لا يُقاس بمجرد وجود فائض، بل بحجمه مقارنة بالموارد المتاحة والكلفة الفعلية. وإذا كانت الظروف تسمح بنتيجة أفضل بكثير، فإن الفائض المحدود يحتاج إلى تفسير قبل تحويله إلى انتصار سياسي. مع اندلاع الحرب وارتفاع أسعار المحروقات، كان يُفترض التحرّك فورًا لمراجعة كلفة الإنتاج والتعرفة، ووضع إجراءات تحمي المؤسسة والمستهلك في آن. فعند إطلاق التعرفة الجديدة في تشرين الثاني 2022، أعلنت كهرباء لبنان أن مراجعتها ستجري كل شهر أو شهرين، تبعًا لكلفة الإنتاج الفعلية وأسعار النفط ومشتقاته. كان المطلوب، إذًا، تفعيل آلية المراجعة صعودًا أو نزولًا وفق الكلفة، بالتوازي مع حماية صغار المستهلكين. أمّا ترك الفجوة تتّسع بين الإنفاق والإيرادات، فلا يحمي المواطن، بل يؤجّل الفاتورة إلى أن يدفعها عتمةً واشتراك مولّد. وبحسب التقديرات المتداولة، تجاوز الاستنزاف المالي خلال 7 أشهر 400 مليون دولار، عند جمع قيمة الموارد المستهلكة والإيرادات والفوائض التي كان يُفترض تحقيقها. وهنا يبرز السؤال المالي والسياسي: أين انعكست هذه الموارد على قدرة المؤسسة على شراء المحروقات وضمان استمرارية التغذية؟ وكيف انتقلت كهرباء لبنان من الاحتفاء بالفائض إلى العجز عن تأمين استقرار الإنتاج؟ وتصبح الأسئلة أكثر حدّة مع استمرار توقّف المعامل الجديدة في الزوق والجية، تحت عنوان النزاع القضائي وانتهاء عقد التشغيل والصيانة. فوجود نزاع يستدعي معالجة قانونية وتشغيلية عاجلة، ولا يمكن أن يتحوّل إلى جواب دائم عن تعطيل قدرة إنتاجية يحتاج إليها البلد. وبحسب مقارنة الأسعار والكلفة المعروضة، ارتفع سعر الغاز أويل من نحو 700 إلى 1700 دولار للطن، فيما بقي الفيول في حدود 500 دولار. وإذا كانت كلفة الإنتاج في معملي الزوق والجية تقارب 14 سنتًا للكيلوواط ساعة، في مقابل نحو 34 سنتًا للإنتاج بالغاز أويل، ووفق احتساب متماثل، فإن استمرار تعطيلهما يفرض تفسيرًا علنيًا ومفصّلًا: ما المانع المحدّد؟ من المسؤول عن إزالته؟ وأين خطة إعادة التشغيل ومهلها الزمنية؟ أمام الوزارة، بالتالي، سؤال لا يمكن القفز فوقه: ماذا فعلت للاستفادة من خيارات الإنتاج الأقل كلفة والحدّ من استنزاف موارد المؤسسة؟ حين تصبح الإيرادات المحصّلة أقل من كلفة الكهرباء المنتجة، تتراجع القدرة على تمويل الشحنة التالية. ومع كل دورة شراء وإنتاج وجباية خاسرة، تضيق قدرة كهرباء لبنان على الاستمرار. أمّا النتيجة التي يلمسها المواطن، فهي تراجع التغذية إلى ساعة أو ساعتين، وفق الواقع المعروض، والارتهان أكثر فأكثر للمولّدات، فيما ترتفع كلفتها وتتراجع قدرته على الدفع. في مواجهة ذلك، لا تكفي حملة سياسية لتحميل الحكومة المسؤولية. المطلوب كشف حساب واضح: ما الموارد التي تسلّمتها الإدارة؟ كم أنفقت؟ ما الالتزامات المترتبة عليها؟ ما كلفة الإنتاج؟ وكم