"ليبانون ديبايت"- العميد منير شحادة في لحظة دولية شديدة الاضطراب، كان المشهد في نيويورك يبدو وكأنه يستدعي حضور كبار قادة العالم إلى الدورة الـ٨١ للجمعية العامة للأمم المتحدة. حروب مفتوحة، توتر متصاعد حول إيران، اضطراب في أسواق الطاقة، أزمة في النظام الدولي، سباق متسارع في الذكاء الاصطناعي، وتنافس أمريكي ـ صيني يتجاوز التجارة إلى التكنولوجيا والأمن والنفوذ العالمي. ومع ذلك، اختار الرئيس الصيني شي جين بينغ ألا يكون في نيويورك. بكين لم تغب عن الجمعية العامة، بل أرسلت نائب الرئيس هان تشنغ، الذي سيشارك في المناقشات العامة ويلتقي الأمين العام للأمم المتحدة وقادة عدد من الدول، فيما أكدت وزارة الخارجية الصينية أن الصين ستطرح رؤيتها بشأن النظام الدولي والتعددية وإصلاح الحوكمة العالمية. لكن شي جين بينغ اختار في المقابل أن يكون في مكان آخر: واشنطن. فالرئيس الصيني يتوجه، بدعوة من دونالد ترامب، في زيارة دولة إلى الولايات المتحدة بين ٢٣ و٢٥ أيلول، في أول زيارة له إلى واشنطن منذ أحد عشر عاماً، وفي توقيت بالغ الحساسية بالنسبة إلى العلاقات بين القوتين الأكبر اقتصادياً وسياسياً في العالم. لا توجد، حتى الآن، إشارة رسمية صينية تقول إن شي تغيب عن نيويورك بسبب سبب واحد محدد. ولذلك فإن القراءة الأدق يجب أن تميز بين ما أعلنته بكين رسمياً وبين الدلالات السياسية التي يمكن استنتاجها من جدول الزيارة. أولاً، الصين لم تعتبر أن غياب الرئيس يعني غيابها عن الأمم المتحدة. على العكس، أوفدت نائب الرئيس هان تشنغ، ومنحت مشاركته إطاراً سياسياً واضحاً. وهذه نقطة مهمة، خصوصاً أن العام الحالي يصادف الذكرى الـ٥٥ لاستعادة جمهورية الصين الشعبية مقعدها الشرعي في الأمم المتحدة. وتقول بكين إن هان سيعرض مواقف الصين من القضايا الدولية والإقليمية، ويدافع عن التعددية ودور الأمم المتحدة في الحوكمة العالمية. أي أن الرسالة الصينية ليست: (الأمم المتحدة غير مهمة)، وإنما أقرب إلى: الصين حاضرة، لكن الرئيس ليس مضطراً إلى أن يكون موجوداً شخصياً في كل محفل دولي حتى تثبت حضورها. ثانياً، هناك عامل أكثر أهمية يتعلق بـأولوية العلاقة الأمريكية ـ الصينية في المرحلة الراهنة. فاللقاء المرتقب بين شي وترامب ليس لقاءً بروتوكولياً عادياً. الولايات المتحدة والصين تعيشان هدنة تجارية وسياسية هشة، فيما تبقى ملفات الرسوم الجمركية، المعادن النادرة، أشباه الموصلات، الذكاء الاصطناعي، تايوان، المشتريات التجارية والطاقة، والعلاقات الصينية مع إيران، كلها مطروحة على الطاولة. ومن هنا يمكن فهم القرار الصيني على أنه إعطاء الأولوية للقاء الذي يمكن أن ينتج عنه تفاهم مباشر بين القوتين، بدلاً من المشاركة الشخصية في اجتماع متعدد الأطراف تستطيع بكين أن تمثل نفسها فيه عبر نائب الرئيس. من نيويورك إلى واشنطن... أين توجد القوة؟ ربما يكون السؤال الأهم: لماذا واشنطن الآن؟ لأن الولايات المتحدة والصين دخلتا مرحلة مختلفة من المنافسة. لم تعد العلاقة مجرد حرب تجارية على الرسوم الجمركية. الصين باتت تمتلك أوراق ضغط حقيقية، وفي مقدمتها المعادن النادرة وسلاسل التوريد والتصنيع، بينما تحتفظ الولايات المتحدة بأوراقها في التكنولوجيا المتقدمة وأشباه الموصلات والنظام المالي والعقوبات. ولهذا وصف تحليل لمجلس العلاقات الخارجية الوضع الحالي بأنه ليس انفراجاً حقيقياً بقدر ما هو استقرار مؤقت بين قوتين ما زالتا تتنافسان على النفوذ. ويشير التحليل إلى أن بكين تريد تثبيت حالة التهدئة، فيما تحتفظ واشنطن بأدوات ضغط يمكن إعادة تفعيلها. وفي هذا السياق، تصبح زيارة شي إلى واشنطن أكثر أهمية من مجرد ظهوره في الجمعية العامة. في الأمم المتحدة يستطيع الرئيس الصيني أن يلقي خطاباً أمام عشرات الدول. أما في واشنطن، فهو يجلس مباشرة أمام الرجل الذي يملك جزءاً كبيراً من أدوات الضغط على الاقتصاد الصيني، والذي تستطيع قراراته التجارية والتكنولوجية والأمنية أن تؤثر بصورة مباشرة في حسابات بكين. نيويورك منصة خطاب. واشنطن طاولة تفاوض. وهذا، على الأرجح، أحد المفاتيح الأساسية لفهم الاختيار الصيني. شي لا يذهب إلى واشنطن طالباً تفاهمات بأي ثمن لكن من الخطأ أيضاً تفسير زيارة شي على أنها تنازل صيني أمام ترامب. فالصين تدخل اللقاء وهي تملك أوراقاً تفاوضية. المعادن النادرة، حجم السوق الصينية، موقعها في سلاسل التصنيع العالمية، قدرتها على شراء الطاقة والسلع الأمريكية، إضافة إلى موقعها المتقدم في التكنولوجيا والصناعة، كلها عناصر تمنح بكين مساحة للمناورة. وفي المقابل، يضغط ترامب للحصول على مكاسب واضحة، خصوصاً في التجارة والمشتريات الصينية، بينما تريد واشنطن من بكين تخفيف القيود على تصدير المعادن النادرة، والنظر في قضايا التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي. لذلك فإن ا