لم يكن رئيس وزراء بريطانيا أندي بورنهام ووزير خارجيتها أندي ميليباند يتوجهان إلى إسرائيل فقط قبل أكثر من أسبوع عندما أدانا سياساتها وتصرفاتها في الأراضي الفلسطينية المحتلة. فمع عشر دول أوروبية أخرى وكندا التي حظرت أو تخطّط لحظر الاستيراد من الضفة الغربية المحتلة كان بورنهام وميليباند يوجهان رسالة إلى الرئيس الأميركي دونالد ترامب. ولّت الأيام التي كان فيها حلفاء أميركا يتراجعون فقط للاحتفاظ بعلاقة جيدة مع أميركا إذ ربما تكون قدرتها على مواجهتهم وتعنيفهم أصيبت بالوهن. قد تكون إسرائيل على خط النار لكن أعمال بريطانيا تُظهر أن القوى المتوسطة الغربية صارت مصممة على الوقوف في وجه التنمّر والاستئساد على حد قول ديبلوماسي أوروبي. الشيطان سيكون في التفاصيل، أي تفاصيل كيف تطبّق بريطانيا إجراءاتها العقابية وسط أسئلة حول المدى الذي تريد أن تبلغه في المواجهة مع الولايات المتحدة. من الأسئلة: هل ستكون البنوك الإسرائيلية التي تموّل عادة المستوطنات وتشييد البنى التحتية في الأراضي المحتلة والتي تعطي قروضاً للمستوطنين هل ستكون عرضة للإجراءات المشار إليها؟ قالت هآرتس: لا يستطيع مشروع بناء أن يبدأ من دون تمويل مصرفي. إن قرار بريطانيا وفرنسا وكندا منع التجارة مع المستوطنات غير الشرعية في إسرائيل خطوةٌ مرحّب بها وقد طال انتظارها وهي تتوافق مع القانون الدولي وهي تُظهر أن عدداً متزايداً من الحكومات تقف مستعدةً لإرفاق تصريحات الإدانة بإجراءات واضحة في وقت تكثّف فيه إسرائيل تطهيرها العرقي وتسيء المعاملة مع أهالي الضفة الغربية الفلسطينيين. قال ديبلوماسيون بريطانيون إن اتساع الإجراءات ومداها سيعتمد جزئياً على سياسات الحكومة الإسرائيلية التي ستنبثق عن الانتخابات العامة المقرر إجراؤها في 27 أكتوبر المقبل. السؤال المتعلق بالمصارف يذهب إلى عمق التأكيدات الانتقادية التي تشير إلى أن عقوبات بريطانيا ستكون فاعلة فقط إذا فُرضت على إسرائيل كلها لا على صادرات الأراضي المحتلة فيها التي تبلغ نسبتها إلى الصادرات الإسرائيلية الإجمالية نحو 5 في المئة فقط. أما عمليات إسرائيل الثأرية والانتقامية ومنها إقفال القنصلية البريطانية في القدس الشرقية والبعثة الديبلوماسية في فلسطين وإقفال مركز تدريب الموظفين الفلسطينيين ومنع أعضاء مجلس العموم البريطاني من زيارة إسرائيل، فلا يُحتمل أن تُقنع السيدين بورنهام وميليباند بتغيير موقفهما. أما الآن قد يكون الرجلان اختارا توقيت موقفيهما بشكل جيد مسددين رصاصة ما إلى الإجراءات العقابية التي اتخذتها إدارة ترامب ضد بريطانيا تضامناً مع إسرائيل. وعلى ما نُقل فإن ترامب لم يُظهر أي اعتراض عندما أُعلم بيرنهام رئيس جهاز التخطيط في بريطانيا بهذا الأمر قبل 24 ساعة من إعلان ميليباند له في مجلس العموم. وقد أظهر تقبّل ترامب لهذا القرار أو إذعانه له تصاعد إحباطه من السياسة التي ينتهجها نتنياهو في الضفة الغربية. وقد تحدّث جاريد كوشنر في كييف التي زارها أخيراً، وهو مفاوض ترامب وصهره، فقال "نحن نعمل من خلال بعض الموضوعات السياسية في إسرائيل. إنهم يعيشون أجواء انتخابات عامة مجنونة ويجعلهم ذلك غير عقلانيين قليلاً في التعاطي مع قضايا معينة. يصر الديبلوماسيون البريطانيون على أن السيدين بورنهام وميليباند كانا مصممين للذهاب قدماً في هذا الموضوع بغض النظر عن قبول ترامب ذلك أو إذا ردّ عليه بتهديدات باتخاذ إجراءات ردعية مثل زيادة التعرفات على الواردات البريطانية. في هذا المجال لا بد من الإشارة إلى أن الداعمين الأوروبيين للإجراءات البريطانية أي الدنمارك وفنلندا وفرنسا وإيسلندا وإيرلندا والنروج وبولولندا والبرتغال وإسبانيا والسويد قد فقدوا صبرهم مع إخفاق الاتحاد الأوروبي في العمل والتصرف بسبب معارضة ألمانيا والنمسا وإيطاليا وتشيكيا. في الوقت نفسه انحبست كندا في حرب تجارية مع الولايات المتحدة. وقال الديبلوماسيون من دول أوروبية عدة مثل السويد والدنمارك وفنلندا إن دعمهم للإجراءات البريطانية كان القصد منه الضغط على الاتحاد الأوروبي كي يتحرّك ويتصرف. ربما يلعب الرئيس ترامب مع الطرفين لمعرفته أن الشركات البريطانية قد تتروّى لمعرفتها أن 38 ولاية أميركية أصدرت قوانين وأوامر تنفيذية أو قرارات بهدف عدم تشجيع المقاطعة لإسرائيل، والتهديد بفرض إجراءات عقابية رداً على ذلك. ربما يكون الرئيس ترامب لا يريد قبل الانتخابات النصفية في بلاده إضافة موضوع اقتصادي صعب إلى صعوباته الاقتصادية مثل التضخم وزيادة أسعار المحروقات وازدياد كلفة المعيشة والحرب التجارية مع كندا. علماً بأن ترامب يعرف أنه في مطلع ولايته الرئاسية الثانية ألغى العقوبات التي فرضتها إدارة سلفه بايدن على مجموعات إسرائيلية اتُهمت بممارسة العنف ضد فلسطينيي الضفة الغربية رغم استمرار إسرائيل في التوسع الاستيطاني وعنف مواطني إس