تستهلك الحرب الأسلحة، لكنها قد تمنح مصانعها خبرة يصعب اكتسابها في زمن السلم. وفي روسيا، تتحول دروس المواجهة مع أوكرانيا إلى مورد لإعادة بناء القوة العسكرية، عبر وصل المصانع الموروثة من الحقبة السوفياتية بشركات صغيرة ومطوّرين على اتصال مباشر بالجبهة. فبين القدرة على الإنتاج الضخم وسرعة تعديل التصاميم، تعمل موسكو على تجديد ترسانتها خلال استخدامها، في سباق تتوقف فيه قيمة السلاح على قدرته على مواكبة ما يتعلمه الخصم. تكشف خطط المسيّرات حجم هذا التحول. فبحسب تحليل نشرته "فايننشال تايمز"، تخطط روسيا لإنتاج 7.3 ملايين مسيّرة من فئة FPV، التي يقودها المشغّل عبر الصورة المنقولة من كاميرتها، خلال 2026. ويورد التحليل تسليم أكثر من 130 ألف منظومة حرب إلكترونية منخفضة الكلفة في 2025. الدلالة الصناعية لهذه الأعداد تتجاوز حجم الترسانة. فالإنتاج الضخم يفقد جانباً من قيمته حين تتطور وسائل مواجهته، بينما يبقى أثر الابتكار محدوداً إذا تعذّر توفيره للوحدات بكميات كافية. وتقوم المعادلة الروسية على وصل القدرتين، بحيث يترافق توسيع الإنتاج مع تحسين المعدات وإطالة فاعليتها القتالية. المصانع الكبرى تدخل عصر المسيّرات تقدّم شركة "كوبول"، التابعة لمجموعة "ألماز أنتي"، مثالاً على دخول المؤسسات الدفاعية الراسخة هذا المجال. فوفقاً لوثائق ومعلومات أوردتها "رويترز"، أنتجت الشركة أكثر من 2500 مسيّرة هجومية بعيدة المدى من طراز "غاربيا" بين تموز/يوليو 2023 وتموز 2024، باستخدام محركات ومكونات صينية. وشمل المشروع تحويل مصنع إسمنت سابق في إيجيفسك إلى منشأة لإنتاج المسيّرات. يوضح هذا المثال كيف تستطيع مؤسسة قائمة توظيف خبرتها وشبكات التمويل والتعاقد لتوسيع إنتاج سلاح جديد، مع الاستفادة من منشآت متاحة وسلاسل توريد خارجية. وبذلك، تصبح القاعدة الصناعية التقليدية أداة لتسريع دخول تقنيات أحدث إلى الخدمة. ويمتد التوسع إلى ما وراء خطوط التجميع نفسها. فقد كشفت وثائق داخلية لـ"روساتوم"، نُشرت تفاصيلها في أيلول/سبتمبر، خطة لتوسيع مصنع "ألابوغا-فولوقنو" في تتارستان بإضافة قدرة تصل إلى 500 طن سنوياً من ألياف الكربون بحلول 2029، وهي مادة تدخل في هياكل مسيّرات "غيران". ويقدّر خبراء أن هذه الطاقة الإضافية قد تكفي لإنتاج نحو 28 ألف مسيّرة أخرى سنوياً، بما يعادل زيادة محتملة بنحو 78 في المئة فوق تقديرات القدرة الحالية على إنتاج مسيّرات هذه العائلة. ولا يمثل الرقم هدفاً روسياً معلناً، لكنه يكشف انتقال التوسع من تجميع السلاح إلى تعزيز سلسلة المواد التي يقوم عليها إنتاجه. وبموازاة المؤسسات الكبرى، نشأت مشروعات صغيرة استجابة لاحتياجات الوحدات الميدانية. ويتتبع الباحثان صامويل بينديت ومايكل كوفمان انتقال مبادرات روسية من جمع التبرعات وشراء المعدات إلى تطوير المسيّرات وتجهيزات التشويش. ومن أمثلتها مشروع "أوبير"، الذي بدأ بفريق صغير ثم توسع بدعم إقليمي ورسمي، ومركز "أوشكوينيك" الذي يساعد المطورين على التواصل مع مؤسسات الدولة. وتكمن أهمية هذه الشبكات في فتح طريق أقصر بين المشكلة الميدانية والحل الصناعي. فالتواصل المباشر يمنح المطورين معرفة باحتياجات المستخدمين، ويتيح تعديل المعدات وفق أدائها الفعلي. وعندما يقترن ذلك بقدرات المؤسسات الأكبر، تتسع فرص تحويل الحلول المحدودة إلى تجهيزات يمكن تعميمها. أما التوسع الكمي، فسبق الخطط الحالية. ففي أيلول 2024، أعلن الرئيس فلاديمير بوتين السعي إلى زيادة إنتاج المسيّرات بنحو عشرة أضعاف، وصولاً إلى قرابة 1.4 مليون وحدة، بعدما تسلم الجيش الروسي نحو 140 ألفاً في 2023. وتشمل هذه الأرقام الرسمية فئات مختلفة، وتعكس انتقال الطائرات الصغيرة إلى موقع مركزي في أولويات التسليح. سرعة الإنتاج تقلّص أفضلية الابتكار تجد القدرة الروسية على التكيّف سنداً في تقييم الخبير العسكري ميك رايان، الذي زار أوكرانيا في مهمة بحثية. ففي دراسة لمعهد "لوي"، خلص إلى أن الأوكرانيين قادوا كثيراً من ابتكارات المسيّرات، فيما امتلك الروس ميزة توسيع إنتاج الوسائل التي تستجيب لهذه الابتكارات بسرعة. ويرصد رايان كيف ردّ الروس على نشر أوكرانيا مسيّرات اعتراضية بتغيير ارتفاعات التحليق والتمويه وتطوير وسائل تفادي الاعتراض، ثم تعميم التعديلات مستفيدين من قدرتهم الصناعية. وتوضح المسيّرات الموجّهة بالألياف البصرية طبيعة المنافسة أيضاً، إذ حدّت من فاعلية التشويش على الاتصال، ودفعت إلى تطوير وسائل أخرى لمواجهتها. تُظهر هذه التجربة أن الأسبقية في ابتكار سلاح تمنح أفضلية قد يقصر عمرها إذا استطاع الخصم تطوير استجابة وتوزيعها سريعاً. وهنا تكتسب القاعدة الصناعية الروسية وزنها، بقدرتها على نقل المنافسة من جودة التصميم وحدها إلى حجم انتشاره وسرعة تحديثه. وبات هذا المسار أكثر وضوحاً مع التوسع في ا