لا تبدو التوقعات المرتقبة من لقاء الرئيس الأميركي دونالد ترامب والرئيس الصيني شي جين بينغ مرتفعة، وفق تقديرات عدد من المحللين والخبراء، إلا أن محدودية سقف التوقعات لا تقلل من أهمية القمة التي تجمع الرجلين في واشنطن، في لحظة تبدو فيها المحافظة على قنوات التواصل بين القوتين ضرورة تتجاوز الملفات الثنائية، إلى تأثيراتها المباشرة في عدد من الأزمات الدولية والإقليمية. فالخلاف الأميركي – الصيني لم يعد محصوراً في العجز التجاري والرسوم الجمركية، بل تحول إلى منافسة واسعة تشمل التكنولوجيا وأشباه الموصلات والمعادن النادرة والتسلح والنفوذ الدولي، وصولاً إلى مستقبل التوازنات الأمنية في المحيط الهادئ. وفي ظل الحرب الروسية – الأوكرانية، والحرب الأميركية – الإيرانية، والتوتر المتصل بمضيق هرمز، تبدو القمة محكومة بسياق دولي تتداخل فيه الملفات بحيث يصعب فصل أحدها عن الآخر. يدخل شي جين بينغ الاجتماع وفي حوزته مجموعة من الأوراق الاقتصادية والاستراتيجية. فسياسة الرسوم التي اعتمدها ترامب ضد الصين ساهمت في خفض العجز التجاري الأميركي بنسبة 29 في المئة، لكنها لم تتمكن من تحجيم القدرة التصديرية الصينية، التي تقترب من مستويات قياسية. كما تحتفظ بكين بورقة المعادن النادرة، بعدما خفضت صادراتها إلى الولايات المتحدة بنسبة 20 في المئة، في وقت أصبحت فيه هذه المواد جزءاً أساسياً من سلاسل الإمداد الصناعية والتكنولوجية. وتملك بكين أيضاً هامشاً من القدرة على التأثير في عدد من الملفات الإقليمية، ولا سيما الملف الإيراني، في ظل استمرار التوتر حول مضيق هرمز والبحر الأحمر وباب المندب، وما يترتب على ذلك من انعكاسات على أمن الطاقة والتجارة الدولية. إلا أن أوراق القوة الصينية تقابلها قيود أميركية متزايدة على وصولها إلى التكنولوجيا المتقدمة والمعادن الحرجة، وفي مقدمها أشباه الموصلات، التي لم تعد مجرد مكونات للهواتف وأجهزة الكمبيوتر، بل أصبحت عنصراً أساسياً في الذكاء الاصطناعي والصناعة الحديثة والأنظمة الدفاعية. ومن هنا، فإن قدرة واشنطن على جعل وصول الصين إلى التكنولوجيا المتقدمة أكثر صعوبة وكلفة تمثل إحدى أهم أدوات الضغط في المنافسة القائمة بين البلدين. تبقى تايوان الاختبار الأكثر حساسية في أي تفاهم أميركي – صيني. فقد أكدت بكين مراراً أن توحيد الجزيرة يمثل هدفاً استراتيجياً، بينما تنظر واشنطن إلى أمن تايوان من زاوية أوسع ترتبط بتوازن القوى في آسيا ومصداقية شبكة تحالفاتها وشراكاتها الأمنية. وفي الاتصال الذي جرى بين شي وترامب في 5 شباط الماضي، وصف الرئيس الصيني قضية تايوان بأنها القضية الأهم في العلاقات الصينية – الأميركية، مؤكداً رفض فصل الجزيرة عن الصين، ومطالباً واشنطن بالتعامل بحذر مع مبيعات الأسلحة إليها. أما ترامب فأبدى تفهماً للموقف الصيني، من دون أن يرافق ذلك تحول جوهري في السياسة الأميركية. وهنا تكمن إحدى أكثر نقاط التباين صعوبة؛ فبكين تريد من واشنطن موقفاً أكثر وضوحاً في رفض استقلال تايوان، بينما ترتبط السياسة الأميركية في المقابل بحسابات إقليمية أوسع، تجعل أي تغيير كبير في هذا الملف موضع مراقبة من حلفاء وشركاء الولايات المتحدة في آسيا. لم يعد المحيط الهادئ ساحة للمنافسة الثنائية بين واشنطن وبكين وحدهما. فاليابان تعزز دورها الأمني، وأستراليا مرتبطة بالولايات المتحدة عبر AUKUS، والفيليبين عمّقت تعاونها العسكري مع واشنطن، فيما تشكل كوريا الجنوبية جزءاً من منظومة الردع الأميركية، وتتعاون الهند مع الولايات المتحدة واليابان وأستراليا ضمن مجموعة «كواد»، مع احتفاظها بهامش مستقل في سياستها الخارجية. وفي قلب هذه التوازنات تقع تايوان، باعتبارها جزءاً أساسياً من «سلسلة الجزر الأولى» الممتدة تقريباً من اليابان عبر تايوان إلى الفيليبين. ولذلك فإن أي تفاهم أميركي – صيني بشأن الجزيرة لن تكون نتائجه محصورة في العلاقة بين الطرفين، بل ستنعكس على حسابات طوكيو ومانيلا وسيول وكانبيرا، وعلى تصور هذه الدول لمستقبل الالتزام الأميركي بأمن المنطقة. ومن هنا، فإن قدرة ترامب وشي على عقد صفقة جيوسياسية شاملة تبقى محدودة، ليس فقط بسبب حجم الخلاف بينهما، بل أيضاً بسبب تعدد الأطراف التي أصبحت جزءاً من معادلة المحيط الهادئ. في ضوء ذلك، تبدو إمكانية التوصل إلى تسوية استراتيجية كبرى خلال القمة محدودة، فيما تبدو الملفات التجارية المجال الأكثر قابلية لتحقيق نتائج ملموسة، سواء من خلال تمديد الهدنة التجارية أو التوصل إلى ترتيبات مؤقتة تحد من التصعيد الاقتصادي. لكن أي هدنة لن تعني نهاية المنافسة. فكل من واشنطن وبكين سيواصل، على الأرجح، تعزيز قدراته الاقتصادية والتكنولوجية والعسكرية، واستثمار فترات التهدئة لتحسين موقعه التفاوضي وبناء أوراق إضافية قبل أي تسوية مستقبلية. وقد تكون هذه هي الوظيفة ال