تسعى الولايات المتحدة إلى تشديد الخناق الاقتصادي على إيران عبر توسيع العقوبات والتهديد بمعاقبة الدول التي تواصل التعامل التجاري مع طهران، إلا أن قدرة واشنطن على تطبيق هذا المسار عمليًا تبقى موضع شك، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بدول كبرى مثل الصين وتركيا، في وقت تتزايد فيه الضغوط المعيشية داخل إيران من دون مؤشرات على استعداد القيادة الإيرانية للتراجع. وبحسب مقابلة بثتها إذاعة "103 إف إم" الإسرائيلية، رأى داني سيترينوفيتش، الباحث البارز في برنامج إيران في المعهد الإسرائيلي لدراسات الأمن القومي، أن الخطوة الأميركية لا تشكل تحولًا دراماتيكيًا في السياسة المتبعة تجاه طهران، رغم توسيع العقوبات الاقتصادية والتهديد باتخاذ إجراءات ضد الدول التي تواصل إقامة علاقات اقتصادية مع إيران. وقال سيترينوفيتش، في مقابلة مع جدعون أوكو وعميحاي أتالي: "لا يوجد أي شيء جديد. هناك رغبة أميركية، ظاهريًا، في فصل إيران عن جميع الدول التي تساعدها". وأضاف: "هذه المرة يبدو أن الأميركيين مستعدون، ظاهريًا، للمواجهة مع الصينيين والأتراك ودول أخرى تساعد الإيرانيين على المستوى الاقتصادي، لكن عمليًا لا يوجد شيء جديد فعلًا". وأشار إلى أن السؤال المركزي يكمن في مدى استعداد الولايات المتحدة لاتخاذ إجراءات فعلية ضد الدول التي تؤمّن لإيران شرايين اقتصادية أساسية، متسائلًا: "هل نرى الأميركيين يفصلون تركيا عن الدولار لأنها تساعد الإيرانيين؟ أجد صعوبة في رؤية ذلك يحدث". وتطرق سيترينوفيتش إلى الانعكاسات المتوقعة للعقوبات على الإيرانيين وعلى اقتصاد البلاد، معتبرًا أن الضغط الاقتصادي محسوس بقوة، لكنه لا يُتوقع أن يدفع القيادة الإيرانية إلى الاستسلام. وقال: "حتى لو كان ذلك سيؤلمهم، وهو سيؤلمهم، فإنهم لن يرمشوا"، مضيفًا: "صحيح أن سعر الصرف تآكل بالكامل، وفي كل يوم تسجل العملة مستويات سلبية قياسية أمام الدولار، والتضخم مرتفع جدًا، والضرر الذي يلحق بالمواطن الإيراني شديد للغاية، وهناك ارتفاع كبير في أسعار السلع الأساسية". وأكد أن العقوبات تخلق ضائقة كبيرة داخل إيران، إلا أن ذلك لا يعني أن انهيارًا بات وشيكًا، وقال: "لا شك في أن هذا الأمر يؤلم الإيرانيين كثيرًا، لكن يجب القول إن الإيرانيين لا يزالون غير مستعدين للاستسلام". وفي الوقت نفسه، اعتبر الباحث أن الهدف النهائي للتحرك الأميركي ليس واضحًا بالكامل، سواء لناحية السعي إلى تغيير سلوك إيران أو الوصول إلى تغيير النظام. وقال سيترينوفيتش: "ليس واضحًا ما هي المطالب الأميركية"، متطرقًا إلى تصريحات وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، الذي قال، وفق سيترينوفيتش، إنه تحدث عن رغبة في رؤية إسقاط النظام الإيراني. وأضاف أن التحركات الدبلوماسية في المنطقة مستمرة بالتوازي مع التصريحات الأميركية، مشيرًا إلى أن "أمس كانت هناك زيارة مهمة لرئيس الأركان الباكستاني إلى طهران بشأن نوع من العودة إلى مذكرة التفاهم". وختم بالقول: "لذلك هناك مشكلة تتعلق بما هي النهاية التي تريدها الولايات المتحدة"، معتبرًا أنه ما دام الهدف النهائي للضغط الأميركي غير واضح، فسيبقى من الصعب تقدير المسار الذي ستسلكه المواجهة مع إيران. وبين تشديد العقوبات ورفض قوى كبرى مثل الصين الانصياع للمطالب الأميركية، تبدو معركة واشنطن الاقتصادية مع طهران مرتبطة بسؤال أساسي لم يُحسم بعد: إلى أي مدى تستطيع الولايات المتحدة تحويل سياسة العزل من تهديد على الورق إلى واقع يطال بالفعل الدول التي تبقي الاقتصاد الإيراني متصلًا بالعالم؟