خطاب للنائبة حليمة القعقور، سبقه خطاب (مقال) للدكتور زياد ماجد، خطابان كانا كفيلين بفضح العقم القاتل في توليد النخب، أو في النخب الموجودة راهناً.فإذا كانت حراجة الظروف ودقة المراحل وتعقد المعطيات، عوامل تشكل البيئة المناسبة لولادة النخب الاجتماعية والسياسية، فهي في آن، تشكل فرصة وامتحانا للنخب الموجودة في خلق مقاربات مسؤولة للأزمة، أية أزمة. وعليه، فلا أرى فرصة أصح وأنسب من الأزمة اللبنانية الحالية، أعني بها أزمة الاحتلال وأسبابه وتداعياته، لخلق نخب جديدة أو لامتحان النخب العتيدة.والنخب، في رأيي، هي الفئة الواعية لجوهر الأزمة، المتطوعة لاجتراح حلول ناجعة لها، أو لطرح تشخيص صحيح في أضعف الإيمان. ولا أرى أوجب على هذه النخب، من الابتعاد عن الصنمية في المواقف والتعصب الأعمى لأي موقف مسبق أو اصطفاف مستجد.اليوم، لا مجال لطرف ثالث، ولا فرصة لتوزيع المسؤوليات، لا منطقة رمادية ولا مساحة لحوار صار حصوله مستعصياً رغم ضرورته. وكأن المطلوب هو التعسكر الأعمى في أحد المعسكرين، كل بحسب ما يراه الآخر.فإما الانضمام غير المشروط لمعسكر الحزب بكل تفرعاته والتبني الكلي لروايته العسكرية والعقيدية في الداخل والإقليم ولارتباطه بإيران دون نقاش، وأما الانضمام إلى معسكر الغرب والانصياع التام إلى رؤيته المستجدة القديمة، والتي ترتكز اليوم في أول ما ترتكز عليه، إلى منطق التفوق العسكري والاقتصادي فالسياسي كنتيجة طبيعية، وتتمحور في حركتها حول أمن الكيان الصهيوني وضمان تفوقه كقوة دولية.العقم هنا، يكمن في عدم ولادة أو بروز نخب جديدة، تتحلل من ترسبات الحرب وإفرازاتها السامة وكمية الثأر الكامن في النفوس ومن عقدة الغلبة والتهميش، وكذلك من الخضوع غير الواعي للعقل الجمعي الذي قسّم الناس إلى قسمين، محرمٌ نشوء قسم ثالث. ومن الجهة المقابلة، يتجلى العقم، بل يتمظهر، في عدم قدرة أو محاولة النخب العتيدة التحرر من انتماءاتها السابقة وبالتالي من مواقفها كنتيجة مباشرة لتلك الانتماءات. فبقيت تراوح مكانها رؤية ومنطقا وطروحات جامدة.الوصولية، التملق، واستجداء الدعم الخارجي، آفات قاتلة، لا يمكن الركون إليها في خلق مقاربة سليمة للأزمة في سبيل حلها، إنما هي سبيل لتحقيق غلبة سياسية أتاحتها فرصة خلقتها مقتلة كبيرة وحرب ضروس.الخوف من العقل الجمعي، وما رسخه من شعارات ومواقف ووعود، شكّل بدوره عاملاً ضاغطاً على النخب المطلوب بروزها ثم تصديها لحل الأزمة الراهنة. فصارت رهينة الموقف السائد وخاضعة له، وبالتالي عاجزة عن تغييره، أو التأثير فيه بالحد الأدنى.وفي وقت فتح فيه الدكتور ماجد كوة في جدار الاصطفاف الحاد، أو دعا إلى فتح تلك الكوة، وجد نفسه -كما رأيت- هدفا لنيران صديقة حرّمت عليه التفكير والكلام من خارج الصندوق المحكم الإغلاق، وأجزم أنه لم ولن يخضع. كذلك استفادت النائبة القعقور من تحررها من الناخب الشيعي، الذي يقيد في مكان ما ولحد ما النائب الدكتور الياس جرادة، فوازنت في خطابها بين التحرر من النفوذ الإيراني من جهة، وبين رفضها لاتفاق الإطار المدعوم من الولايات المتحدة من جهة ثانية، فوقعت بدورها فريسة للنقد الهدام الذي حرّم عليها ولوج أو خلق تموضع وسطي في المقاربة ثم في الموقف.العقم ينتقل بدوره إلى السلطة التي انتهجت - مختارة أم مكرهة - نهج التلقي السلبي لإشارات الخارج والركون إلى تبدل في الميزان الإقليمي الذي لا يبدو أنه صار تبدلاً نهائيا حتى تاريخه.