في مرحلة لم تعد فيها جبهات المنطقة منفصلة، يقف لبنان أمام أسئلة كبرى تتجاوز حدود الجنوب إلى حسابات أمريكية وكيانية إسرائيلية وإيرانية متشابكة. في الجنوب تستمر المواجهة، وعلى طاولة المفاوضات تتقاطع الضغوط الدولية مع الحسابات اللبنانية والكيانية الإسرائيلية، فيما تبقى إيران حاضرة في معادلة الردع والتصعيد. لكن خلف سؤال الحرب ونهايتها، يقف سؤال أكبر: ماذا يعني الانتصار أصلًا؟ وهل يمكن اختزال نتيجة مواجهة طويلة بين مقاومة وجيش مدعوم بأكبر القوى العسكرية والسياسية في العالم، في نقطة جغرافية أو ضربة أو جولة؟ بالنسبة إلى الكاتب والمحلل السياسي فادي بو ديّه، المسألة أبعد من ذلك بكثير. فالمقاومة، في قراءته، لا تُقاس فقط بما تملكه من سلاح، ولا بنتائج جولة واحدة، بل بقدرتها على رفض الخضوع والاستمرار في المواجهة، وبما تتركه من إرادة تنتقل من جيل إلى جيل. في حوار خاص مع وكالة "تسنيم" فتحنا مع المحلل السياسي اللبناني فادي بو ديّه أبواب الإنتصار، والحرب التي لم تنته، الجنوب الذي لا يمكن فصله عن هوية لبنان، وعلي الطاهر التي تحولت إلى عنوان لمعركة تتجاوز التلة نفسها، وصولًا إلى واشنطن وطهران، ومن يملك في النهاية القدرة على كتابة السطر الأخير. المقاومة لا تُهزم.. لأن الهزيمة تبدأ من الاستسلام بدأنا الحديث عن المقاومة وجيش الكيان الإسرائيلي الذي لا يمكن وضعهما في ميزان واحد، ولا يرى أن المقارنة العسكرية المباشرة بين الطرفين يمكن أن تكون معياراً للحكم على النتيجة. ففي المقابل جيش يمتلك قدرات ضخمة ودعماً أمريكياً وأوروبياً، إلى جانب دعم سياسي وعسكري من دول أخرى، وفي الجهة الأخرى مقاومة تنطلق من إمكانات مختلفة تماماً. لكن هذا الفارق، بالنسبة إليه، لا يعني أن المقاومة يمكن أن تُهزم، وهنا يقول بو ديّه: "المقاومة لا تُهزم، وهي بحد ذاتها انتصار، لأنها ترفض أن تستسلم وأن تخضع وأن تتحول إلى شعب مستباح. لا يمكن أن تقارن إمكانات المقاومة العسكرية بإمكانات جيش الاحتلال المدعوم من الولايات المتحدة وأوروبا وبعض الدول العربية. المقاومة لديها هدف، وهذا الهدف في النهاية هو تحرير الأرض، لكن تحرير الأرض ليس عملية تحصل في يوم واحد." ويعيد بو ديّه قراءة تجربة المقاومة في لبنان من بداياتها، معتبراً أن التحرير الذي تحقق عام 2000 لم يكن نتيجة معركة واحدة، بل نتيجة تراكم امتد على مدى عقود: "نحن احتجنا إلى ثلاثين سنة حتى خرج الاحتلال من لبنان، وحرب 2006 كانت أيضاً جزءاً من هذا المسار، وكانت مرتبطة بقضية الأسرى. لذلك لا تستطيع أن تأتي اليوم وتقول إن المقاومة انتصرت أو هُزمت من خلال جولة واحدة". فالانتصار، كما يراه، ليس بالضرورة لحظة واحدة يمكن التقاطها بصورة أو إعلانها في مؤتمر صحفي. قد يكون مساراً طويلاً، يتقدم فيه طرف ويتراجع في مرحلة، ثم يعود ويتقدم في مرحلة أخرى. ويستحضر في هذا السياق تجربة فيتنام، حيث لم يكن الطرف الأضعف يمتلك الإمكانات العسكرية التي تمتلكها الولايات المتحدة، لكنه امتلك القدرة على الاستمرار: "لننظر إلى فيتنام، هل كانت فيتنام تملك قوة أمريكا؟ لم تكن تملك شيئاً من ذلك. لكنها قاومت، واستنزفت الأمريكي، وفي النهاية خرج الأمريكي. الانتصار أحيانًا يحتاج إلى سنوات، وليس إلى يوم أو شهر". ثلاثون عاماً من المواجهة.. والانتصار الذي يتوارثه الأبناء من هنا، يرفض بو ديّه النظر إلى المقاومة باعتبارها ظاهرة مرتبطة بجيل واحد. فالمقاومة، في رؤيته، تتحول إلى ذاكرة وإرادة وثقافة، ويصبح الشهداء الذين سقطوا في مراحل مختلفة جزءا من تراكم طويل لا يمكن محوه بضربة واحدة: "المقاومة هي الناس. عندما يقاتل الإنسان ويستشهد وهو يعرف أنه يقاتل من أجل أرضه، فهو لا يموت حتى يخسر. هو يموت حتى ينتصر ابنه من بعده، ثم ينتصر حفيده. هذا هو التراكم". ومن هنا أيضاً يأتي رفضه للخطاب الذي يصوّر المقاومة باعتبارها صاحبة "ثقافة الموت"، بالنسبة إليه، السؤال يجب أن يكون: ما معنى الحياة التي لا يستطيع فيها الإنسان حماية أرضه وبيته وعرضه وكرامته؟ يضيف بو ديّه: "يقولون إن المقاومة ثقافة موت. أسألهم: ما هي ثقافة الحياة؟ هل ثقافة الحياة أن يأخذ العدو أرضك وبيتك وتاريخك وجذورك وكرامتك، وأنت تجلس وتقول إنني أريد أن أعيش؟ أي حياة هذه؟ أنا أريد أن أعيش بكرامة". ولهذا يعتقد أن التاريخ لا يخلد المستسلمين، بل أولئك الذين رفضوا الخضوع، "الثوار يبقون في التاريخ، أما الذين استسلموا فينسونهم. الإنسان يمكن أن يعيش مئة سنة، لكن إذا عاش ذليلًا، فما قيمة هذه الحياة؟". الحرب ليست قرار المقاومة.. والمقاومة تملك قرار الرد وعند الانتقال إلى أصل الحرب، يرفض بو ديّه تحميل المقاومة مسؤولية قرار اندلاعها. فالمقاومة، بحسب قراءته، تملك قرار المقاومة، لكنها لا تملك قرار الحرب التي يقررها الطرف المعتدي. وفي هذه الن