إن عودة الفعاليات وحدها لا تكفي لاستعادة هذا الزخم، ما لم تتوافر مقومات الاستمرار. وفي المشهد الفنّي تحديداً، تبدو هذه المهمة أكثر تعقيداً، في ظل ما تتطلبه الحفلات والمهرجانات من تمويل وتخطيط واستقرار، وما يحتاج إليه الموسيقيون من فرص تتيح لهم البقاء والتطور.ومن هنا، اخترنا الوقوف عند تجربة المهرجانات الموسيقية لقراءة واقع أوسع: كيف يمكن للثقافة أن تستمر في بلد تتبدل فيه الظروف سريعاً؟ وكيف ينتقل القطاع من التأقلم مع الأزمات إلى بناء مستقبل أكثر استقراراً؟ومن بين التجارب التي عايشت هذه التحولات، يبرز مهرجان "موسيقيات بعبدات" (Les Musicales de Baabdath)، الذي انطلق عام 2016، وعَبَر خلال عقد تقريبا مراحلَ مختلفة فرضت عليه التأقلم والتوقف والعودة، مع الحفاظ على مجانية حفلاته وجمع موسيقيين لبنانيين ودوليين أمام جمهوره.ولفهم ما تختزنه هذه التجربة، وما تكشفه عن واقع الموسيقى في لبنان والتحديات التي تواجه العاملين فيها، أجرينا مقابلة مع مؤسس "موسيقيات بعبدات" ومديره سليمان قرباني. تحدثنا معه عن سنوات الأزمة والحرب، وصعوبة الاستمرار، وما يحتاج إليه القطاع للانتقال من منطق النجاة إلى التخطيط على المدى الطويل.أولاً: الأزمة الاقتصاديةيورونيوز: انطلق المهرجان عام 2016، قبل الأزمة الاقتصادية في لبنان.. كيف اختلف تنظيمه وتمويله بعد عام 2019؟سليمان قرباني: عندما أطلقنا المهرجان عام 2016، كانت الظروف مختلفة تماماً. كان التخطيط المسبق أسهل، وكذلك التعامل مع التكاليف. لكن بعد عام 2019، أصبح تنظيم مهرجان موسيقي في لبنان أكثر تعقيداً بكثير. ولم تعد المشكلة تقتصر على إيجاد التمويل، بل بات من الصعب أيضاً الالتزام بميزانية ثابتة في ظل تقلب الأسعار وسعر الصرف.وفي هذا السياق، من المهم الإشارة إلى أن المهرجان يُدار بالكامل من قبل متطوّعين، فأعضاء الفريق لا يتقاضون أجوراً مقابل عملهم فيه، بل يساهم كل منهم بوقته وخبرته إلى جانب عمله والتزاماته الشخصية، وهو ما ساعدنا على الحفاظ على جزء كبير من طاقات المهرجان وموارده.بعد عام 2019، اضطررنا إلى أن نصبح أكثر مرونة، وأن نتعامل مع كل سنة على حدة، مع الاعتماد على مزيج من الشركاء والداعمين والمؤسسات الثقافية والسفارات والجهات الخاصة. وأصبح جزء كبير من عملنا يتمثل في البحث عن حلول تتيح للمهرجان الاستمرار من دون المساس بجوهره وبرنامجه.يورونيوز: أين انعكست الأزمة عليكم بشكل أكبر: في تراجع التمويل مثلاً، أم ارتفاع كلفة التنظيم، أم تقلّص قدرة الجمهور على المشاركة؟سليمان قرباني: في الواقع، انعكست الأزمة علينا على مستويات عدة، لكن ارتفاع كلفة التنظيم وعدم استقرارها كانا من أبرز التحديات. وهذا الأمر لا يتعلق فقط باستضافة الموسيقيين القادمين من الخارج، فنحن ملتزمون أيضاً بدعم الموسيقيين اللبنانيين وإتاحة الفرص أمامهم، ولذلك يذهب جزء مهم من ميزانية المهرجان إلى الفنانين والفرق الموسيقية اللبنانية.وفي الوقت نفسه، ارتفعت تكاليف السفر والإقامة والتنقل بالنسبة إلى الفنانين الدوليين، فيما لا يمكننا تعويض هذه الزيادة برفع أسعار التذاكر، لأن حضور المهرجان مجاني.أما بالنسبة إلى الجمهور، فنلاحظ أنه أصبح أكثر تأثراً بأي كلفة إضافية مرتبطة بالحضور، مثل مصاريف النقل. ولذلك، لم يعد علينا التفكير في كيفية تنظيم الحفل فحسب، بل أيضاً في كيفية إبقائه متاحاً للجمهور وتسهيل الوصول إليه.يورونيوز: المجانية تتيح لشريحة أكبر من الجمهور حضور الحفلات، لكنها تحرمكم من إيرادات التذاكر. كيف تحافظون على هذا الخيار؟ وهل فكرتم يوماً في التراجع عنه؟سليمان قرباني: المجانية جزء أساسي من فلسفة "موسيقيات بعبدات"، وهذا الخيار يضع على عاتقنا مسؤولية أكبر، لأننا لا نملك إيرادات من شباك التذاكر، وبالتالي علينا تأمين التمويل من خلال الشراكات والرعايات والدعم المؤسسي والخاص.بالتأكيد، طُرح السؤال في بعض السنوات: هل يمكننا الاستمرار بهذه الطريقة؟ لكننا لم نتخلَّ عن المجانية، لأنها بالنسبة إلينا ليست مجرد سياسة تسعير، بل جزء من هوية المهرجان. نريد أن يبقى الحضور متاحاً للجميع، بغض النظر عن القدرة الاقتصادية.يورونيوز: كيف أثّرت الأزمة في حياة الموسيقيين الذين تتعاملون معهم، سواء في قدرتهم على التدريب وصيانة آلاتهم والتفرغ للموسيقى، أو في قرارهم بالبقاء في لبنان؟سليمان قرباني: أثّرت الأزمة بشكل مباشر في حياة الموسيقيين اللبنانيين. فعندما تتراجع القدرة الاقتصادية للمؤسسات والجمهور، تتراجع معها فرص العمل والحفلات، ويصبح من الصعب على الموسيقي أن يتفرغ لفنه.وبالنسبة إلى بعض الموسيقيين الشباب، أصبح السفر أو الهجرة بحثاً عن فرص مهنية أفضل جزءاً من واقعهم. وهذا أمر مؤلم، لأن لبنان يملك مواهب موسيقية كبيرة، لكن البيئة التي يحتاج إليها هؤلاء الفنانون للاستمرار والتطور أصبحت أكث