تتوالى القرارات التنفيذية الصادرة عن الإدارة الأميركية تجاه الملف السوري، معلنة الانتقال من مرحلة العقوبات المشددة إلى مرحلة إعادة رسم شبكة التحالفات الإقليمية. وفي خطوة تحمل أبعاداً استراتيجية بالغة الأهمية، أعلنت وزارة الخارجية الأميركية عن الإعفاء الكامل لسوريا من العقوبات المفروضة على مبيعات الأسلحة والتمويل العسكري بموجب "قانون مراقبة الأسلحة الكيماوية والبيولوجية والقضاء على الحرب لعام 1991". القرار الذي دخل حيز التنفيذ رسمياً في 16 أيلول/سبتمبر الجاري، بعد نشره في السجل الفيدرالي، ألغى حظر بيع الأسلحة والمعدات والخدمات الدفاعية، وفتح الباب أمام إصدار تراخيص التصدير ورفع القيود عن التمويل العسكري الأجنبي الموجه لدمشق. غير أن هذا التحول التنفيذي المتقدم يصطدم محلياً بإرباك إداري داخل العاصمة واشنطن؛ إذ انتقد عضو مجلس النواب الأميركي جو ويلسون استمرار بطء وزارة التجارة الأميركية في مواكبة القرارات الرئاسية، مشيراً إلى خيبة أمله من عدم قيام "مكتب الصناعة والأمن" حتى الآن بإلغاء ضوابط التصدير المدنية والتكنولوجية المفروضة على سوريا، على الرغم من مرور نحو شهر على قرار الرئيس دونالد ترامب شطب سوريا من قائمة "الدول الراعية للإرهاب". وتعود هذه الإشكالية إلى بقاء سوريا مدرجة ضمن الفئة (E) في لوائح إدارة التصدير (EAR) التي تتوزع بين (E:1) للدول الداعمة للإرهاب و(E:2) للدول الخاضعة لحظر شامل ككوبا، وهو ما يعكس تبايناً في سرعة الاستجابة الإدارية بين وزارتي الخارجية والتجارة. إجراءات بيروقراطية وإعادة توجيه التمويل في قراءته لخلفيات القرار والتأخير الحاصل في وزارة التجارة، يقلّل المستشار السابق في وزارة الخارجية الأميركية حازم الغبرا، من فرضية وجود خلافات أمنية داخل الإدارة أو تقسيم أدوار متعمّد للضغط على دمشق. ويؤكد الغبرا في حديث لـ"المدن"، أن "فرض العقوبات عادة ما يتم بسرعة، بينما يتطلب رفعها إجراءات أكثر تعقيداً تستغرق وقتاً؛ نظراً لاختلاف الآليات الإدارية واللوائح القانونية بين الوزارات". ويشدد على أن التوجه الرئاسي واضح وصريح برفع كافة أشكال العقوبات عن سوريا. وحول الأبعاد العسكرية والأمنية للقرار، يوضح أن رفع حظر بيع السلاح يمثل خطوة طبيعية تتبع مسار رفع العقوبات، مشيراً إلى عامل استراتيجي ومالي رئيسي: "كانت هناك مبالغ تتراوح بين 100 و150 مليون دولار تخصص سنوياً لتسليح قسد، ضمن جهود التحالف الدولي لمكافحة داعش، هذه الأموال تتجه اليوم نحو الحكومة السورية لتأهيل وتأسيس عتاد عسكري أميركي متناسق مع معايير دول حلف الناتو". وعن طبيعة الأسلحة المتوقعة، يبين الغبرا أن الحوار الفني الجاري بين القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) والحكومة السورية، سيركز على تزويد الجيش السوري، الذي يعاني من تآكل في عتاده القديم، بأجهزة استطلاع حديثة، وتقنيات استخباراتية، وآليات قتالية لتعزيز مهامه المشتركة ضمن التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب، مستبعداً وجود تحركات أو معارضة داخل الكونغرس الأميركي ضد هذه الخطوة. شراكة استراتيجية وتغير في التوازنات من جهته، يرى الكاتب والمحلل السياسي عبد الكريم العمر، أن رفع الحظر عن مبيعات الأسلحة يمثل دليلاً إضافياً على نية واشنطن بناء شراكة استراتيجية طويلة الأمد مع سوريا الجديدة. ويقول العمر لـ"المدن"، إن "واشنطن لم تعُد تنظر إلى سوريا كصديق سياسي فحسب، بل كشريك استراتيجي وحليف إقليمي، وهو ما يعكسه التنسيق الدبلوماسي، والدعم في الأمم المتحدة، والانفتاح الاقتصادي والعسكري المباشر". وفيما يتصل بالمخاوف حول التوازنات الإقليمية وحجم التسليح، يستبعد العمر أن يحدث الدعم العسكري الأميركي خللاً بالمعادلات التسليحية الكبرى في المنطقة، موضحاً أن الدعم سيركز على السلاح النوعي، والتدريب، والتقنيات القتالية المحددة لتأهيل الجيش السوري كقوة ضابطة للاستقرار، دون الدخول في تسليح كاسر للتوازن الإقليمي. كما يقلل العمر من تأثير تأخر وزارة التجارة في تعديل تصنيف سوريا ضمن قائمة (E)، مشيراً إلى أن الإرادة السياسية صريحة في دعم وحدة سوريا واستقرارها تحت قيادة الرئيس أحمد الشرع، مضيفاً "التنسيق تجاوز الجانب الأمني والعسكري ليشمل أبعاداً اقتصادية واسعة، برزت مؤخراً في زيارة وفد غرفة التجارة الأميركية لدمشق برفقة ممثلين عن أكثر من 50 شركة عالمية". تراجع النفوذ الإقليمي لروسيا وإيران ويرى التقرير أن هذه التحولات التكتيكية بين واشنطن ودمشق تسهم في إعادة رسم الخارطة الجيوسياسية للمنطقة، ولا سيما بعد انكفاء المشروع الإيراني وانقطاع مسار "الهلال الشيعي" عقب سقوط نظام الأسد في 8 كانون الأول/ديسمبر. ويشير العمر إلى أن رفع حظر التسليح الأميركي والانفتاح العسكري العالي، يثير قلقاً كبيراً لدى موسكو وطهران؛ إذ تدرك روسيا أن بوصلة دمشق باتت