الصورة التي ترسمها اجتماعات وكلمات رؤساء الدول في الأمم المتحدة، تشير بوضوح إلى المأزق الذي يعيشه العالم. صراعات لا تنتهي، بين الدول وداخل كل دولة. تأخذ الصراعات أبعاداً متعددة، اقتصادية، سياسية، عسكرية، ثقافية وهوياتية، فاليمين الأوروبي لا يزال يتقدم في الانتخابات، بينما أوروبا تجد نفسها في حرب لا تنتهي مع روسيا، وتتنامى لديها المخاوف من ترامب وإدارته للسياسة الخارجية الأميركية. تجد أوروبا نفسها أمام استحقاق البحث عن إعادة التكتل وتشكيل موقف موحد، لا سيما أن غالبية دول الاتحاد مع كندا ومع استراليا أيضاً تسعى إلى تشكيل أطر جديدة، فهذه الدول أيقنت أنه لا يمكنها البقاء وسط تجاذب أميركي صيني روسي للعالم، فلا بد لأوروبا أن تقدم طرحاً. أما الرئيس الأميركي دونالد ترامب، فمهجوس بالصراع مع الصين، ومن على منبر الأمم المتحدة تحدث عن السباق في مجال الذكاء الاصطناعي، والذي تعتبر أميركا أنه لا يمكنها أن تسمح للصين بالتفوق عليها في هذا المجال. تركيز ترامب على الذكاء الاصطناعي يقود سريعاً إلى حرب النفط التي يخوضها، فسعيه وإصراره على السيطرة على منابع النفط وممراته، يهدف إلى تطويق الصين والتضييق على صنابير تدفق الغاز والنفط إليها لإبطاء مسارها في الذكاء الإصطناعي. ذلك يبقي حالة الحرب قائمة ولا يمكن في مثل هذه الأجواء البحث عن حلول أو اتفاقات. يأتي ذلك بالتزامن مع وصول رئيس الصين شي جين بين، إلى الولايات المتحدة حيث سيلتقي بترامب للبحث في علاقات مشتركة وفي ملفات مختلفة على الساحة العالمية، وطبعاً سيكون ملف إيران حاضراً بقوة على طاولتهما. فإيران بالنسبة إلى ترامب هي ملف أساسي يتعلق بالصراع مع الصين، وهو يكرر دوماً أنه من مصلحة طهران التوصل إلى اتفاق. الاتفاق الذي يريده ترامب مع إيران، يسعى من خلاله إلى السيطرة على نفطها ومنابعه وممراته للتضييق على الصين، إضافة إلى السعي للدخول في مجالات الاستثمار في الأسواق الإيرانية وإمساك الشركات الأميركية بالاقتصاد الإيراني. هذا الاتفاق يريده ترامب أن يكون ملازماً لاستسلام لإيران على مستويات عديدة، أولاً في الملف النووي الذي يريدها أن تتخلى عنه كلياً. ثانياً، في مسألة إنهاء مشروع توسعها ونفوذها في المنطقة، والتخلي عن دعم حلفاء لها. ثالثاً، فتح مسار جديد في علاقتها مع إسرائيل بدءاً من اتفاق إنهاء حالة العداء. ولكن في المقابل يتم تقديم مغريات كثيرة لطهران على المستوى السياسي والاقتصادي. لكن مضمون الكلام الذي تحدث به الرئيس الأميركي دونالد ترامب في الأمم المتحدة، يشير بوضوح إلى استمرار نيته الحربية ضد إيران. على الرغم من كلامه عن السعي للوصول إلى اتفاق ومواصلة التفاوض بشكل مباشر أو غير مباشر، وعلى الرغم من تأكيده بأن الاتفاق سيحصل بعد الانتخابات النصفية، لكن ذلك لا يعني تجنّب الحرب والتصعيد. فعندما يستذكر ترامب لحظة 11 أيلول، ويربطها بأحداث 7 أكتوبر، ويحمل إيران المسؤولية إضافة إلى التهديد بالسحق والمحو، فإن ذلك يغلب ما عداه، ويمنح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الغطاء الذي يريده لاستكمال مشروعه. بالتأكيد أن نتنياهو سيستمر في السعي لتخريب أي مسار تفاوضي، ولمنع حصول أي اتفاق. هو لا يزال يفكر في كيفية تفجير الوضع في المنطقة ككل. بالنسبة إلى الإسرائيليين فلا يمكن الوصول إلى اتفاق مع إيران إلا بعد تنفيذ ضربة عسكرية كبيرة وتكون ساحقة وتدميرية، وهذا ما يحاول نتنياهو دوماً إقناع ترامب به. وما يحاول ترامب ونتنياهو فعله، هو استغلال كل الحروب الدائرة في المنطقة لتطويع الدولة الأخرى ولتوسيع نطاق الحرب من خلال إقناع تلك الدول بالانضمام إليها. فترامب يريد لأميركا أن تكون هي المسيطرة في المنطقة، وهي التي تنجز الترتيبات والتوازنات، وتسعى إلى جعل كل دول المنطقة تدور بفلكها، والطريق إلى ذلك بالنسبة إلى واشنطن هو الاتفاقات الابراهيمية. لا تزال أميركا وإسرائيل تسعيان إلى ضم دول جديدة إلى هذا المسار. وذلك يحضر بقوة في المناقشات بين ترامب وقادة دول الخليج، خلال مناقشة ومقاربة تطورات الحرب على إيران والحرب في اليمن، من دون إغفال أن ترامب سيواصل الضغط لدفع دول المنطقة إلى تفاهمات واتفاقات مع إسرائيل قد تبدأ أمنية وتصل في النهاية إلى الاتفاقات الإبراهيمية. وهنا أيضاً، سيبقى ترامب في مساحة "الصفقات التي يحبها" أو البازارات التي يفتحها، يعرض على إيران الاتفاق سريعاً، في مقابل يعرض على الدول الأخرى الانضمام إلى حصار إيران والمشاركة في الحرب عليها، والأمر نفسه يكرره بشأن اليمن. كلام ترامب عن الاتفاق مع إيران يرتبط بالشروط التي يسعى إلى تحقيقها، وتحديداً إبعاد إيران عن الصين، وبحال لم تتوفر هذه الشروط فإن الحرب ستبقى مستمرة. في المقابل، نتنياهو يعتبر أنه لا يمكن الوصول لاتفاق مع إيران في ظل النظام الحالي. وهو يكرر مواقفه الت