بين بلدين تجمعهما حدود بطول 375 كيلومتراً، واتفاقات تجارية يُفترض أن تجعل انتقال السلع أكثر سهولة، تبدو التجارة اللبنانية–السورية أصغر بكثير من إمكاناتها. فالمشكلة اليوم ليست في غياب السوق، بل في الطريق إليها: رسوم متفاوتة، شاحنات تتوقف عند الحدود، معايير غير موحّدة، قيود على السلع الزراعية، قطاعان مصرفيان مأزومان، واتفاقات كُتب معظمها لاقتصاد لم يعد موجوداً. في عام 2025، بلغت التجارة الرسمية بين لبنان وسوريا نحو 347 مليون دولار، وفق تحليل لبيانات الجمارك اللبنانية أجرته "كرم شعار للاستشارات"، بعدما بدأت حركة السلع تنتقل تدريجياً من السوق غير النظامية إلى المعابر الرسمية. الرقم يعكس تعافياً، لكنه يبقى بعيداً عن الذروة التاريخية التي اقترب فيها التبادل من 800 مليون دولار. والأهم أن التجارة تميل حالياً لمصلحة لبنان: تستورد سوريا منه خصوصاً البلاستيك والفواكه والآلات، فيما تصدّر إلى لبنان الرصاص والخضروات والزجاج والصابون. المفارقة أن لبنان وسوريا عضوان في منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى (GAFTA)، التي تستهدف إزالة الرسوم والحواجز غير الجمركية أمام السلع ذات المنشأ العربي. لكن بين النص القانوني والحدود الفعلية، تراكمت طبقات من القيود تجعل كلفة التجارة أعلى بكثير مما توحي به عبارة "تجارة حرة". من الجانب السوري: الشاحنة اللبنانية تتوقف عند الحدود أبرز عائق ظهر في 2026 كان قرار دمشق منع الشاحنات غير السورية من الدخول مباشرة إلى أراضيها، وإلزامها تفريغ البضائع ومناقلتها إلى شاحنات سورية عند المعابر. القرار شمل الشاحنات اللبنانية والأردنية والتركية والعراقية، واستثنى بصورة أساسية حركة الترانزيت وبعض البضائع التي يصعب نقلها من شاحنة إلى أخرى. اقتصادياً، تحولت المناقلة إلى "رسم غير مكتوب": وقت إضافي، أجور تحميل وتفريغ، مخاطر تلف للمواد الغذائية والزراعية، وانتظار أطول على الحدود. وقدّر عاملون في القطاع أن تكاليف الشحن من لبنان وتركيا إلى سوريا ارتفعت بنحو 50 إلى 70 في المئة نتيجة النظام الجديد، مع إمكان وصول التأخير إلى أسبوعين. ردّ لبنان بتطبيق مبدأ المعاملة بالمثل على الشاحنات السورية، قبل أن يتفق الطرفان على ترتيبات انتقالية. وهكذا تحوّل الإجراء السوري الذي استهدف دعم سائقي الشاحنات المحليين إلى عبء على التجارة في الاتجاهين. ولا تزال اللجان المشتركة تبحث في الرسوم على الشاحنات، والأوزان المحورية، والحمولات، وتسهيل العبور، ما يدل على أن ملف النقل لم يصل بعد إلى نظام مستقر ونهائي. وثمة عائق سوري آخر هو السياسة الحمائية المتغيرة. ففي 2025، حظرت دمشق خلال أشهر محددة استيراد مجموعة واسعة من الخضار والفاكهة والبيض والفروج لحماية المنتج السوري، وشملت القوائم البطاطا والتفاح والعنب والبندورة والخيار والحمضيات وسلعاً أخرى يمكن أن يصدّرها لبنان. حماية الموسم الزراعي مفهومة من زاوية المنتج المحلي، لكنها بالنسبة إلى المصدّر اللبناني تعني سوقاً قد تغلق فجأة بقرار إداري. وفي حزيران/يونيو 2026، بدأت سوريا العمل بتعريفة جمركية جديدة، ما يضيف مرحلة إعادة تنظيم للنظام الجمركي. وقد قال وزير الاقتصاد اللبناني عامر البساط إن الرسوم بين البلدين لا تزال غير موحّدة، مشيراً إلى أن المصدّرين اللبنانيين يتحملون في بعض الحالات رسوماً لا يتحملها نظراؤهم السوريون. من الجانب اللبناني: حماية الإنتاج ومعايير الدخول لكن المشكلة ليست سورية فقط. في لبنان أيضاً، يخضع دخول عدد من المنتجات الزراعية والغذائية لإجازات وشروط صحية وفنية، في إطار حماية الزراعة المحلية وسلامة الغذاء. وتفيد أحدث إرشادات التجارة الأميركية الخاصة بلبنان بأن مستوردي المنتجات الزراعية يواجهون قيوداً في الحصول على تراخيص لبعض أنواع الفاكهة. وبالنسبة إلى سوريا، حيث تشكل الخضار والمنتجات الغذائية جزءاً مهماً من الصادرات، يمكن لهذه الإجراءات أن تحد من النفاذ إلى السوق اللبنانية حتى في ظل الإعفاءات الجمركية العربية. وثمة أيضاً مسألة اختلاف المواصفات والمقاييس. فالبضاعة المقبولة وفق المواصفة السورية لا تحصل تلقائياً دائماً على المعاملة نفسها في لبنان، والعكس صحيح، ما يفرض اختبارات وشهادات وإجراءات إضافية. وهذا العائق ليس نظرياً: في 9 أيلول/سبتمبر 2026 أعلنت وزارة الاقتصاد اللبنانية أن بيروت ودمشق تعملان تحديداً على توحيد المواصفات والمقاييس، وأن العملية قطعت شوطاً متقدماً. وجود هذا المسار بحد ذاته يكشف واحدة من أهم العقبات التي كانت تضيف الوقت والكلفة إلى التجارة. ويضاف إلى ذلك أن المنتج السوري يدخل سوقاً لبنانية شديدة الحساسية تجاه المنافسة الزراعية والغذائية. فلبنان يستورد أصلاً نسبة كبيرة من حاجاته الغذائية، فيما تضغط القطاعات الإنتاجية المحلية باستمرار لمنع الإغراق وحماية المواسم. وبالت