يستعد حزب الله لإحياء الذكرى الثانية لاستشهاد أمينه العام السيد حسن نصرالله. عامان على الغياب، ثقيلان على حزب الله، الذي خاض حرب إسناد في مواجهة عدوان إسرائيلي قضى على الجنوب، وهجّر أهله، وَخَلَف خرابًا يحتاج إلى سنوات لإعادة إعماره. عامان على الغياب، تزامنا مع حرب أميركية على إيران، ومع خلطٍ للأوراق في الإقليم والعالم. صارت المقاومة مثار جدل، وحوصر حزب الله، وأصبح سلاحه شرطًا لانسحاب إسرائيل. ماذا عن حزب الله في حضرة الغياب؟ هل تغيّر واقعه وخطوطه الحمراء؟ متى يسلّم الحزب سلاحه، وضمن أي شروط؟ وماذا عن علاقته بإيران؟ هذه الأسئلة، وغيرها الكثير، طُرحت للنقاش مع رئيس كتلة الوفاء للمقاومة، الحاج محمد رعد. شخصية تتمتع بحضور قوي داخل حزب الله وخارجه، قليل الظهور، ويختار من الكلام ما قلّ ودلّ. في حديثه، يؤكد رعد أن حزب الله أجرى مراجعة عميقة للمسار الذي اعتمد منذ 8 تشرين الأول عام 2023، وشخّص بكل موضوعية مواضع الصواب والصدقية في قراراته، ونقاط الخلل أو القصور في أدائه، ويتحدث عن وجود «بعض الخلل الجزئي التكتيكي الذي مارسناه أو تعرضنا له» في حرب إسناد غزة، لكنه، رغم ذلك، لا يزال يعتبر أن وقفته لإسناد غزة هي "وقفة تاريخية". يتهم الدولة بـ"التفريط بالسيادة وشرعنة الاحتلال"، ويرى أن "انزلاقها" في مسار التفاوض المباشر "خزي وإذعان وتبرع للعدو بتنازلات لم يكن ليحلم بها". قال في حديث لـ"المدن" إن حزب الله صمد أربعة أشهر في علي الطاهر "رغم إطباق الحصار جواً وبراً ورغم تعرضه لأطنان المتفجرات والقذائف والغارات، متهمًا "السلطة" بأنها "كانت تراهن على جرّ المقاومة للانخراط في آلية تنفيذ خطوات الاتفاق الإطار، فلم تفلح". يوزع رسائله المبطنة باتجاه الداخل والخارج، ويحدد علاقته برئيس الجمهورية، ويقول إنه يريد منه "أن يحكم وفق نص الدستور ووثيقة الوفاق الوطني". وفي العلاقة مع حركة أمل، يؤكد أن "كل محاولات الدس للتفريق بينهما لن تنجح". وآثر عدم الحديث عن ملف الحوار الأميركي مع حزب الله قائلاً: "ليس عندي ما أدلي به في هذا المجال الآن". بعد كل ما حصل منذ 7 تشرين الأول 2023، هل أجرى حزب الله مراجعة نقدية فعلية لقرار الدخول في الحرب؟ وهل هناك قرارات لو عاد بكم الزمن لما اتخذتموها بالطريقة نفسها؟ القرارات عادة تُؤْخَذُ استناداً إلى رؤية استراتيجية، وتقييم سياسي لواقع المرحلة وحيثيات الحدث واحتمالات الإنجاز أو الإخفاق لا على المستوى الميداني فحسب، بل على مستوى الأثر المعنوي الذي يعزز الثقة بأهمية الموقف والفعل ويقوّي العزم مستقبلاً لمتابعة السير في نصرة الخط أو الخيار أو الاتجاه. والمراجعة تأخذ بعين الاعتبار أيضاً الإنجاز أو الإخفاق في المجال التكتيكي حيناً وفي المجال الاستراتيجي أيضاً، وهي عملية مركبة ومتداخلة لا تنفصم فيها الوقائع عن المبادئ. والمراجعون يتفاوتون في تقييمهم، أغلب الأحيان لاختلاف رؤاهم الاستراتيجية، ونظرتهم المتفاوتة إزاء أولوية المبادئ أو المصالح. وللتمايز فيما بينهم بين تقديم المصالح العامة على المصالح الخاصة، أو المصالح الدائمة على المصالح الآنية المؤقتة أو العكس. في ضوء هذه الخريطة المعقدة لمسار أي مراجعة نؤكد أن حزب الله أجرى مراجعة عميقة للمسار الذي اعتمد منذ 8 تشرين الأول عام 2023، وشخص بكل موضوعية نقاط وموارد الصواب والصدقية في قراراته، ونقاط الخلل أو القصور في أدائه، ومواضع النقص في إمكاناته، كما حدد كذلك كل هذه الأمور لدى العدو. وقد ازداد قناعة بصوابية قراره إسناد لغزة وأهلها وبالنتائج المهمة والمتعددة التي تحققت وتكشّفت على مختلف الصعد القانونية والإنسانية والارتباطات والتحالفات الصديقة والمعادية، وتموضع القوى والأنظمة في المنطقة من قضية فلسطين ومستوى مصداقيتها، وكذلك الدور الوظيفي لأنظمة المنطقة وعلاقته بقوى الهيمنة وحجم العائد الحقيقي الذي تستفيده من التزامها بذاك الدور المرسوم لها. بعيداً أو بمعزل عن بعض الخلل الجزئي التكتيكي الذي مارسناه أو تعرضنا له، إلا أن وقفة حزب الله لإسناد غزة ضد حرب الإبادة الصهيونية التي شُنّت عليها من قوى العدوان والهيمنة الغربية الراعية لكيان الاحتلال الصهيوني، هي وقفة تاريخية مشرّفة ستكون مدعاة اعتزاز وأمل لكل الأجيال الحرة والتحررية في منطقتنا والعالم. والذين خذلوا غزة وأهلها فضلاً عن الذين تواطؤوا مع الأعداء ضدها، لن تستقر سلطاتهم ولن يُنظر إليهم في التاريخ إلا على أنهم أعداء أنفسهم وغير لائقين لرعاية شؤون شعوبهم وبلدانهم، لأنهم وصوليون انتهازيون ناكثون لالتزاماتهم بالقانون الدولي وبشرعة حقوق الإنسان، وساقطون أخلاقياً لا يقيمون وزناً لمبادئ ولا لقيم ولا لمصالح عامة. ما الذي تغيّر في حزب الله بعد استشهاد السيد حسن نصرالله؟ وهل تجاوز الحزب مرحلة الصدمة، وما هي الرؤية الجديدة التي يقودها