في ظل استمرار التوتر على الجبهة الجنوبية، وتزايد الحديث الإسرائيلي عن طبيعة التهديد الذي قد تشكله عودة العمليات غير التقليدية، يبرز مجدداً احتمال انتقال المواجهة إلى نمط مختلف عن الحروب المفتوحة، يقوم على عمليات محدودة تنفذها خلايا صغيرة، بما يعيد إلى الواجهة مفهوم حرب العصابات، ولكن ضمن بيئة عسكرية وأمنية مختلفة جذرياً عن تلك التي كانت قائمة قبل عام 2000. وفي هذا السياق، يؤكد الخبير العسكري العميد المتقاعد بهاء حلال، في حديث إلى "ليبانون ديبايت"، أن الحديث الإسرائيلي عن احتمال عودة حرب العصابات أو الحرب التي تنتهجها المقاومة، لم يعد مجرد تخوف نظري، مشيراً إلى تقدير أو تقرير لصحيفة إسرائيلية تحدثت، في نهاية آب، عن احتمال انتقال حزب الله إلى نمط من الحرب منخفضة الوتيرة، تشمل خلايا صغيرة تتسلل بشكل محدود، وبين يديها مسيّرات وعبوات، إضافة إلى ما نقلته هذه الصحيفة في 15 أيلول عن ضباط في القيادة الإسرائيلية، عن رصد الاستخبارات الإسرائيلية محاولات لخلايا للعمل تحت الرادار. ويرى حلال أن احتمال العودة إلى نمط حرب العصابات "مرتفع جداً"، لكن ذلك لا يعني بالضرورة عودة النموذج الذي عرفه الجنوب اللبناني قبل عام 2000. فـ"البيئة العسكرية تغيرت جذرياً"، وفق تقديره، بعدما خسر حزب الله جزءاً من بنيته القيادية واللوجستية التي كانت تتيح له إدارة مواجهة تقليدية وطويلة، في حين عززت إسرائيل وجودها الأمني والعسكري داخل أجزاء من المنطقة الواقعة جنوب الليطاني. وبحسب حلال، فإن هذه المعطيات قد تدفع المواجهة، في حال تجددها، نحو نمط أكثر اعتماداً على العمليات الصغيرة والاستنزاف الأمني، بدلاً من الحرب المفتوحة. ويشرح أن المعادلة قد تنتقل من "صاروخ مقابل صاروخ" أو "مجموعة مقابل مجموعة" إلى خلية صغيرة تنفذ ضربة دقيقة، ثم تنسحب وتختفي، أو زرع عبوة أو إطلاق مسيّرة، وبالتالي استنزاف أمني مستمر. ويعتبر أن هذا النوع من المواجهة تخشاه إسرائيل، إذ إن التفوق الجوي والاستخباري والتكنولوجي لا يعني بالضرورة القدرة على اكتشاف كل خلية صغيرة تعمل ضمن بيئة جغرافية مألوفة لها، فالعامل الأساسي في حرب العصابات، بحسب حلال، ليس أن يكون المقاتل غير مرئي بصورة دائمة، بل أن يتمكن من تجنب الاكتشاف في اللحظة التي يقرر فيها تنفيذ العملية. ويأتي هذا التقدير في وقت أعلنت فيه إسرائيل عن تفكيك بنى تحت الأرض في منطقة علي الطاهر، مشيرة إلى وجود منشآت تمتد لأكثر من كيلومترين، وتضم مخازن أسلحة ومراكز قيادة. الذكاء الاصطناعي في مواجهة حرب العصابات وفي ما يتعلق بدور الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحديثة في مواجهة حرب العصابات، يرفض حلال فكرة أن التطور التكنولوجي قادر على إلغاء هذا النوع من الحروب، لكنه في المقابل يقر بأنه يستطيع جعلها أكثر صعوبة وتعقيداً. ويشرح أن الذكاء الاصطناعي بات قادراً على اكتشاف الأنماط وربط صور الأقمار الاصطناعية والمسيّرات والإشارات والمعلومات البشرية، ومقارنة حركة الأشخاص والآليات في منطقة معينة على مدى زمني طويل، لكن حرب العصابات تقوم أساساً على شيء مختلف، تقوم على عنصر عدم اليقين، فالمقاتل لا يحتاج إلى أن يكون غير مرئي طوال الوقت، بل يحتاج إلى أن يبقى غير قابل للاكتشاف في اللحظة المناسبة لتنفيذ الهجوم. ومن هنا، يعتقد حلال أن المواجهة المقبلة قد تكون أقرب إلى صراع بين منظومتين مختلفتين: منظومة إسرائيلية تعتمد على الأقمار الاصطناعية والمسيّرات والذكاء الاصطناعي والكاميرات وتحليل البيانات والقوة النارية، في مقابل خلايا صغيرة تعتمد النمط اللامركزي، وتعتمد الحركة المحدودة، والصمت الإلكتروني، والتضليل، ومعرفة الأرض، واختيار التوقيت المناسب للهجوم، وهنا تكمن المفارقة. ويوضح في هذا الإطار أنه كلما ازدادت إسرائيل اعتماداً على التكنولوجيا، ازدادت أهمية العنصر البشري الموجود على الأرض في اكتشاف ما قد لا تتمكن الخوارزميات من فهمه أو تفسيره بصورة كاملة، ولذلك، لا يرى أن الذكاء الاصطناعي سيقضي على حرب العصابات، بل قد يحولها إلى نمط "هجين" أكثر تعقيداً. هل يمكن لحرب العصابات أن تحقق أهدافها؟ أما في ما يتعلق بإمكان نجاح هذا النمط من المواجهة، فيميز حلال بين هدفين مختلفين. الأول هو إخراج إسرائيل عسكرياً من المنطقة، معتبراً أنه لا توجد معطيات تسمح بالجزم بأن حرب العصابات وحدها قادرة على تحقيق هذا الهدف، أما الهدف الثاني، فيتمثل في رفع كلفة الوجود العسكري الإسرائيلي وإبقاء الجنوب في حالة استنزاف أمني، ومنع إسرائيل من تحويل الحدود إلى منطقة هادئة، وهو ما يعتبره هدفاً أكثر واقعية يمكن أن يتحقق. ويشرح أن المشكلة بالنسبة إلى إسرائيل تكمن في أن السيطرة على الأرض بالقوة النارية لا تكفي وحدها لمنع عودة الخلايا، إذ تحتاج إلى معلومات استخبارية بشرية وقوات على الأرض للحفاظ على منع