لم يكتفِ 14 إسرائيلياً بالحديث عن الاستيطان داخل سوريا. عبروا الحدود من منطقة الجولان ودخلوا الأراضي السورية، قبل أن يعثر عليهم الجيش الإسرائيلي ويعيدهم. حادثة قد تبدو محدودة بعدد المشاركين، لكنها تكشف مشروعاً تروّج له جماعة إسرائيلية ترى في أجزاء من الجنوب السوري أرضاً قابلة للاستيطان. وبحسب تقرير "جيروزاليم بوست"، وقع العبور الثلاثاء قرب منطقة "ألوني هباشان". وقال الجيش الإسرائيلي إنه أرسل قوات للبحث عن المجموعة وإعادتها، معتبراً أن تصرفها عرقل نشاط قواته وعرّض أمنها للخطر. ودعا السلطات المختصة إلى ملاحقة المشاركين قضائياً لمنع تكرار هذه الحوادث. وذكرت الصحيفة أن الأشخاص الـ14 ينتمون إلى حركة تُطلق على نفسها اسم "رواد باشان"، تأسست في نيسان 2025 وتدعو إلى إقامة مستوطنات إسرائيلية داخل الأراضي السورية. وتستند الحركة إلى اسم تاريخي لمنطقة تشمل أجزاء من جنوب سوريا وشمال الأردن، وتقدّم الاستيطان باعتباره وسيلة لحماية الجولان. لكن طموحاتها، كما تنقلها الصحيفة عن أحد قادتها، عاموس عزاريا، لا تقف عند حدود الجولان. فهو يدعو إلى إقامة ما يسميه "ممراً إنسانياً" يمتد من إسرائيل نحو السويداء، ويتحدث صراحة عن إخلاء مناطق في محافظة درعا وإقامة مستوطنات إسرائيلية فيها. إنها أطماع معلنة على لسان قائد في الحركة، تتجاوز العبور الرمزي للحدود إلى تصوّر لتغيير واقع الأرض والسكان في جنوب سوريا. وليست هذه أول محاولة. فوفق الأرقام التي نقلتها "جيروزاليم بوست" عن المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي، تورط أفراد من الحركة في 9 حالات عبور غير قانوني على الأقل إلى الأراضي السورية منذ تأسيسها. وإدانة الجيش المتكررة لهذه التحركات لم تمنع المجموعة من العودة إلى الحدود مجدداً. تكتسب الحادثة خطورتها من توقيتها أيضاً. فالرئيس السوري أحمد الشرع أعلن أن دمشق تفاوض إسرائيل بشأن ترتيبات أمنية، لكنه وضع انسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي التي دخلتها بعد سقوط نظام بشار الأسد والعودة إلى مواقع اتفاق فصل القوات لعام 1974 في مقدمة أي مسار نحو السلام. وفي الوقت الذي يدور فيه هذا النقاش، تظهر داخل إسرائيل حركة تدفع في الاتجاه المعاكس تماماً: تثبيت وجود مدني إسرائيلي أعمق داخل سوريا. ولا تعني تصريحات "رواد باشان" أنها تمثل خطة رسمية للحكومة الإسرائيلية؛ فالجيش أعلن رفض عملية العبور وأعاد المشاركين. لكن وجود جماعة تكرر التسلل وتدعو علناً إلى الاستيطان يطرح سؤالاً لا تحسمه بيانات الإدانة وحدها: هل تكتفي السلطات الإسرائيلية بإعادة أفرادها كل مرة، أم تتخذ إجراءات توقف مشروعهم؟ الثابت حتى الآن أن المجموعة دخلت الأراضي السورية ثم أُعيدت، من دون أن يثبت التقرير أنها أقامت موقعاً دائماً. أما ما تكشفه أقوال قادتها فهو أبعد من حادثة تسلل واحدة: أطماع استيطانية تستهدف أرضاً سورية، فيما لا تزال مسألة الانسحاب الإسرائيلي منها مطروحة على طاولة التفاوض.