خلال الاحتفال الذي أقامته مؤسسة بشير الجميّل في ساحة ساسين بالأشرفية، في الذكرى الرابعة والأربعين لاغتيال الرئيس بشير الجميّل ورفاقه، ألقى الكاتب والمحلل السياسي صالح المشنوق كلمة دعا فيها إلى توقيع اتفاق سلام مع إسرائيل، قبل أن يذهب أبعد من التعبير عن موقفه الشخصي، جازماً بأن “أغلبية الشعب اللبناني، مسلمين ومسيحيين، تريد اتفاق سلام مع إسرائيل، وليس هدنة أو وقفاً للحرب”. ولم يبقَ كلام المشنوق داخل ساحة الاحتفال، إذ تلقفته صفحة “إسرائيل بالعربية” الرسمية على منصة “إكس”، وأعادت نشر المقطع مرفقاً بعبارات احتفائية، مقدّمة موقفه على أنه تعبير عن إرادة أكثرية لبنانية عابرة للطوائف. وهكذا تحوّل رأي شخص واحد إلى مادة دعائية تستخدمها إسرائيل للقول إن اللبنانيين، مسلمين ومسيحيين، اختاروا السلام معها. لكن مَن فوّض صالح المشنوق بالتحدث باسمهم؟ وأين هي هذه الأغلبية التي أعلن وجودها بهذه الثقة؟ من حق المشنوق أن يؤيد السلام مع إسرائيل، وأن يدافع عن هذا الخيار علناً، وأن يعتبره الطريق الأقصر لإنهاء الحروب. لكنه لا يملك حق تحويل موقفه الشخصي إلى إرادة شعبية، ثم توزيع اللبنانيين على طوائف مؤيدة للسلام، كأنه يحمل تفويضاً من المسلمين والمسيحيين معاً. فالفارق كبير بين أن يقول: “أنا أريد السلام”، وبين أن يعلن: “أغلبية الشعب اللبناني تريده”. العبارة الأولى موقف سياسي مشروع، أما الثانية فادعاء إحصائي يحتاج إلى أرقام واضحة وعينة تمثيلية وصيغة سؤال معلنة ونتائج لا تحتمل الخلط بين مفاهيم مختلفة. والأرقام المنشورة لا تقول ما يقوله المشنوق. فالاستطلاع الذي أجرته “الدولية للمعلومات” بين 28 نيسان و5 أيار 2026، وشمل 2000 شخص، أظهر أن 48.9% يقبلون توقيع اتفاق سلام مع إسرائيل، مقابل 46% يعارضونه. كما أيد 49% التفاوض المباشر بدرجات متفاوتة. وهذه النسب، مع هامش خطأ يبلغ 3.2% ورفض 26% ممن جرى التواصل معهم المشاركة، لا تمنح أحداً حق إعلان وجود أغلبية لبنانية محسومة. إنها تكشف انقساماً حاداً، لا تفويضاً شعبياً. أما التطبيع، الذي يجري خلطه عمداً بالسلام، فتأييده لم يتجاوز نحو 30%، فيما عارضه 59%، ورفض 66.6% فتح سفارة إسرائيلية في بيروت. فكيف تحولت أقلية مؤيدة للتطبيع إلى أغلبية من المسلمين والمسيحيين؟ وكيف قفز الرقم الوطني من 48.9% إلى أكثر من 55% من دون نشر جدول علمي يفسر هذه القفزة؟ المشكلة هنا ليست حسابية فقط، بل سياسية وأخلاقية أيضاً. فهناك فارق جوهري بين لبناني يريد وقف الحرب، وآخر يقبل مفاوضات أمنية، وثالث يؤيد معاهدة سلام، ورابع يوافق على التطبيع السياسي والاقتصادي. جمع هؤلاء جميعاً في خانة واحدة، ثم تقديمهم بوصفهم كتلة شعبية مؤيدة لإسرائيل، هو تلاعب واضح بمواقف اللبنانيين. وليس كل من يعارض حزب الله مؤيداً لإسرائيل. هذه معادلة مصطنعة وخطيرة. يستطيع اللبناني أن يرفض سلاح حزب الله، وأن يطالب بحصر قرار الحرب والسلم بالدولة والجيش، وفي الوقت نفسه أن يرفض الاحتلال الإسرائيلي والغارات وتهجير السكان وتدمير القرى. كما يستطيع أن يرى في حزب الله وجهاً لتقويض الدولة من الداخل، وفي إسرائيل وجهاً آخر للاعتداء عليها من الخارج. السيادة لا تتجزأ وفق هوية من ينتهكها. ولا يجوز أن يكون الجواب الجاهز عن كل اعتداء إسرائيلي: وماذا عن حزب الله؟ إسرائيل تحتل أرضاً لبنانية وتواصل عملياتها داخل لبنان، فيما تعتبر الأمم المتحدة وجود قواتها شمال الخط الأزرق انتهاكاً للسيادة اللبنانية والقرار 1701. كما وثقت تقارير أممية قتل مدنيين ونزوحاً واسعاً ودماراً أصاب بلدات ومجتمعات كاملة. هذه الوقائع لا يمحوها الخلاف مع حزب الله، ولا يحولها الخطاب الدعائي إلى دفاع بريء عن النفس. وإذا كان حزب الله هو الذريعة الدائمة، فكيف تُفسر التوغلات والاعتداءات الإسرائيلية في سوريا، بما فيها مناطق لا وجود للحزب فيها؟ ولماذا يجري تجاوز اتفاق فصل القوات لعام 1974 وتغيير الوقائع الميدانية بالقوة؟ الحقيقة أن المشروع الإسرائيلي لا يبدأ بحزب الله ولا ينتهي عنده. وجود الحزب وفر لإسرائيل ذرائع كثيرة، لكنه لم يصنع طبيعتها التوسعية، ولم يمنعها غيابه من احتلال الأرض أو فرض مناطق عازلة جديدة. والأشد خطورة أن كلام المشنوق لم يبقَ رأياً لبنانياً قابلاً للنقاش، بل تحول إلى شهادة تستخدمها إسرائيل لمصلحة روايتها. فالدولة التي تقصف القرى اللبنانية وتهدم منازلها وتحتل أجزاء من أراضيها، وجدت في كلامه مادة مجانية لتقول للعالم إن ضحاياها يريدون مكافأتها باتفاق سلام. السلام ليس كلمة تُقال في مهرجان، ولا مقطعاً تحتفي به صفحة إسرائيلية، ولا رغبة تولد تحت القصف. السلام الحقيقي يبدأ بانسحاب الاحتلال، ووقف الاعتداءات، واحترام سيادة لبنان، وضمان أمن مواطنيه وحقهم في العودة إلى قراهم. وما عدا ذلك قد يكون خضوعاً للأمر الواقع،