سوريا تغلي، والسوريون لا يهدأون عند حال. تتراوح يومياتهم بين نقاشات حامية، ومظاهرات، وفورات غاضبة، فلا تمر مسألة، مهما كانت كبيرة أو صغيرة، إلا وقد أخذت نصيبها من الجدل. وآخر ما عاشه الشارع خلال الأسابيع الأخيرة كان النقاش الحاد في وسائل التواصل الاجتماعي حول حفلة الفنانة أصالة في دمشق في 17 أيلول الحالي، وعن الداعية المصري المقيم في سوريا، المعروف بالذهبي، الذي استنفر ضدها، قبل أن يتبدد غبار معركته مع وزارة الأوقاف، التي أوقفت حفلاته الخاصة بترويج الحجاب بين السوريات. جرى التعامل مع حفلة أصالة من قبل وسط متشدد، وكأنها ليست سورية، وكاد البعض يعدها دخيلة علينا، جاءت لتفسدنا بأغانيها. والحال أن هؤلاء يتصرفون وكأن سوريا لم يسبق لها أن عرفت الطرب والغناء والموسيقى، وأن السوريين لا يعرفون كيف ينصتون للموسيقى ويحتفون بها، مع أن ماضينا وحاضرنا يشهد غير ذلك. وتعد مدينة حلب عاصمة للطرب وبوابة لعبور الفنانين الكبار، غنت على مسارحها أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب، ويكفيها فخراً أنها أعطتنا القدود الحلبية، وصباح فخري، ومحمد خيري، وصبري مدلل، وحسن الحفار، وأديب الدايخ، وغيرهم ممن جعلوا من الأغنية جزءاً من الذاكرة والوجدان. إن التعامل مع الغناء والموسيقى باعتبارهما دخيلين على المجتمع السوري يكشف ضيقاً في النظرة إلى علاقة السوريين بالفن. فسوريا لم تستورد الطرب من الخارج، ولم تكن الموسيقى فيها ترفاً، وإنما هي جزء من الحياة اليومية، ومن الأفراح والمناسبات والمجالس والذاكرة الشعبية. يبدو أن الشيخ الذهبي لا يعرف الإسلام السوري، ليس في دمشق وحدها، وإنما على مستوى البلد كله، ولا يدرك خصوصية التدين الذي تشكل في هذه البيئة عبر قرون طويلة من التفاعل بين الأديان والثقافات والعادات وأنماط الحياة. وباعتباره ينشط في دمشق، كان على بعض أنصاره أن يرشدوه إلى قراءة تاريخ المدينة التي تعاقبت عليها أديان وثقافات متعددة، فتشكلت فيها واحدة من أكثر التجارب الدينية والاجتماعية تنوعاً في المنطقة. يتعامل الذهبي مع الدين باعتباره مجموعة من القواعد التي يمكن إسقاطها مباشرة على المجتمع، من دون أن يعرف كيف عاش السوريون دينهم في حياتهم اليومية، وكيف استطاعت تقاليدهم الاجتماعية والثقافية أن تتعايش مع التدين من دون أن يلغي بعضها بعضاً. فالإسلام الذي عرفته دمشق، وسوريا عموماً، لم يكن منفصلاً عن المدينة وأهلها وعاداتهم، بل دخل في نسيج حياتهم وتفاعل معها، ولم تكن مهمة الدعوة في تاريخ التدين السوري قائمة، في أصلها، على فرض الدين بالسيف، وإنما على التفاعل والتعايش والتدرج الذي ترك للمجتمع مساحة واسعة للاحتفاظ بخصوصيته. غض الطرف عن نشاطات الذهبي غير مبرر من قبل الدولة، حتى لو كانت قد منعت فعالياته الخاصة بالحجاب، وردت عليه وزارة الأوقاف في بيان قاس، كما واجهت وزارة الثقافة ووزيرها محمد ياسين صالح حملة التشويه الشرسة التي قادها أنصار الذهبي، وبعض رجال الدين، ولم تتراجع عن إقامة الحفلة رغم الضغوط. وهذا موقف يستحق التثمين، لكنه يحتاج إلى ما هو أبعد من البيانات والمواقف الظرفية، أي إلى سياسة رسمية واضحة، وتشريعات وقوانين تمنع وتعاقب هذ النمط من توتير الأجواء، ومحاولات افتعال التجييش تحت غطاء ديني، بما يقود إلى معارك في غير مكانها وزمانها. المطلوب ليس التضييق على الخطاب الديني، لكن منع تحويل الدين إلى أداة للتحريض على المجتمع، أو فرض أنماط معينة من السلوك والحياة على الناس. وفي بلد خارج لتوه من سنوات طويلة من الصراع، فإن حماية السلم الاجتماعي لا تقل أهمية عن معالجة الأزمات الاقتصادية والسياسية، لأن ترك مثل هذه الحملات تتمدد، يمكن أن يؤدي إلى انقسامات يصعب احتواؤها. إن عدم وضع حد لهذه الأصوات لا يندرج في إطار السماح بحرية التعبير والرأي الآخر، بل هو ضرب من التراخي غير المبرر، الذي يصل إلى حد التساهل في الدفاع عن السلم الأهلي، وحماية ثقافة المجتمع السوري، وعاداته، وتقاليده، وخيارات أفراده في ممارسة حياتهم وشعائرهم. فحرية التعبير حق لا جدال فيه، لكنها لا تعني إطلاق حرية التحريض أو محاولة فرض نمط من الحياة على الآخرين، ولا يمكن أن تتحول إلى غطاء للمساس بالسلم الأهلي أو تهديد حق الناس في أن يعيشوا وفق خياراتهم وقناعاتهم. هناك من يعتبر الجوع قضية لا تستحق التظاهر، والفن ترفاً زائداً لا يستدعي النقاش حوله، والحجاب واجباً يختصر حشمة النساء، وما إلى ذلك من السفسطائيات التي يُراد منها تمييع قضايا الناس، وإغراقهم في جدالات جانبية. لكن من يضع نفسه في هذا المكان، سواء عرف ذلك أم لم يعرف، يمارس شكلاً من التواطؤ مع المستفيدين من جوع الناس، ومع من يريدون تسطيح قضاياهم وتحويلها إلى ترهات تدور حول الصغائر، بدل أن ينشغلوا بما يمس حياتهم وكرامتهم ومستقبلهم. حين يتحول النقاش العام من سؤال الخبز والعمل