1. عندما تنتقل الحرب اليمنية من الجغرافيا البرية إلى الجغرافيا البحرية تدخل الحرب اليمنيةمرحلة مختلفة مع التطورات الأخيرة على الساحل الغربي والجزر المطلة على باب المندب. فالتقارير المتداولة عن تقدم الحوثيين وسيطرتهم على مناطق ساحلية وجزر استراتيجية، وفي مقدمتها جزيرة ميون/بريم، تنقل الصراع من المجال الداخلي اليمني إلى صلب الجغرافيا البحرية الدولية. السؤال لم يعد محصوراً في قدرة الحوثيين على إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة، بل بات مرتبطاً بإمكان تحول الموقع الجغرافي إلى أداة نفوذ وتهديد للملاحة الدولية. ومن هنا تبرز مسألة ما إذا كان التطور الجديد سيدفع السعودية ومصر، بالتنسيق مع أطراف إقليمية ودولية، إلى مقاربة أكثر تكاملاً لأمن البحر الأحمر واستعادة الوظيفة السيادية اليمنية على الجزر والساحل. فباب المندب ليس مجرد مضيق جغرافي؛ إنه البوابة الجنوبية للبحر الأحمر، والامتداد الجنوبي لقناة السويس، وأحد المفاصل التي تربط الخليج بآسيا وأوروبا عبر البحر الأحمر. وأي اضطراب مستدام فيه ينعكس على التجارة والطاقة والتأمين وسلاسل الإمداد. 2. الجزر المحتلة: من الجغرافيا الصامتة إلى القوة الاستراتيجية تكتسب ميون/بريم أهميتها من موقعها داخل باب المندب، حيث تقسم أضيق أجزاء المضيق إلى ممرين بحريين. أما جزر زُقَر وهانيش فتضيف عمقاً جغرافياً إلى المجال البحري اليمني في البحر الأحمر. وتكمن أهمية التطورات الأخيرة في أنها تنقل التهديد من قدرة عسكرية تنطلق من البر إلى وجود مباشر في الجغرافيا البحرية. فامتلاك موقع جزري استراتيجي يتيح مراقبة حركة السفن ويمنح الطرف المسيطر قدرة أكبر على التأثير في المجال البحري المحيط به. ولهذا لا يمكن النظر إلى استعادة الجزر باعتبارها هدفاً عسكرياً منفصلاً. فالمسألة تتصل باستعادة الوظيفة السيادية للساحل اليمني الغربي، وتأمين المجال البحري الذي يشكل جزءاً من الأمن الإقليمي والدولي. 3. القاهرة والرياض: تقاطع الأمن القومي عند باب المندب تكتسب زيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان للقاهرة في 15 أيلول/سبتمبر أهمية إضافية في ضوء التطورات المتسارعة في البحر الأحمر. فقد أكد الجانبان المصري والسعودي رسمياً ضرورة ضمان حرية الملاحة في مضائق هرمز وباب المندب والبحر الأحمر، كما أكدت مصر دعمها لأمن المملكة ولحل سياسي شامل ومستدام للأزمة اليمنية. لا يعني ذلك أن الزيارة أعلنت عملية عسكرية مشتركة في اليمن، بل تكشف عن تقاطع جغرافي واستراتيجي متزايد بين القاهرة والرياض. فالسعودية معنية مباشرة بأمن حدودها وممراتها النفطية، بينما يرتبط الأمن البحري المصري مباشرة باستقرار البحر الأحمر وقناة السويس. وقد أظهرت تجربة السنوات الأخيرة أن اضطراب باب المندب لا يبقى محصوراً في جنوب البحر الأحمر. فقد أعلنت الرئاسة المصرية أن إيرادات قناة السويس في 2024 انخفضت بأكثر من 60% مقارنة بعام 2023، مع خسارة تقارب 7 مليارات دولار نتيجة تداعيات أحداث البحر الأحمر وباب المندب. وهكذا يلتقي الأمن السعودي والمصري واليمني والدولي عند باب المندب. 4. تقدير جيوعسكري: من استعادة الجزر إلى تأمين المضيق إذا توافرت إرادة سياسية إقليمية ودولية لمعالجة التحول الجديد، فإن المسار الأكثر اتساقاً مع طبيعة المشكلة لا يتمثل في عملية منفردة، بل في إطار جيوعسكري متكامل يجمع بين الأمن البحري والجوي والبري والاستخباري واللوجستي، من خلال غرفة تنسيق مشتركة وقيادة سياسية وعسكرية واضحة. تبدأ الوظيفة الأولى باستعادة السيادة اليمنية على الجزر الاستراتيجية وتأمين باب المندب، بما يمنع تحويل الجزر والساحل إلى منصات لتهديد الملاحة أو أدوات لفرض أمر واقع على المجال البحري. لكن الهدف هنا ليس إنشاء احتلال جديد أو نقل السيطرة من قوة إلى أخرى، بل إعادة المجال الجغرافي إلى الدولة اليمنية ضمن ترتيبات إقليمية ودولية تضمن أمن الملاحة. وتبرز مصر في هذا السياق كطرف بحري أساسي بحكم اتصال باب المندب مباشرة بقناة السويس، فيما تحتل السعودية موقعاً مركزياً بحكم الجغرافيا اليمنية وأمن البحر الأحمر. 5. من قاعدة عسكرية أمنية للدول المشاطئة إلى منظومة أمن مشتركة في البحر الأحمر إذا تمت استعادة الجزر وباب المندب والساحل الغربي، فإن التحدي التالي سيكون منع تكرار الفراغ الأمني الذي سمح بتحول هذه الجغرافيا إلى نقطة صراع. وهنا يمكن التفكير في إنشاء قاعدة عسكرية أمنية مشتركة للدول المشاطئة، تحت السيادة اليمنية، تتطور وظيفتها تدريجياً إلى منظومة إقليمية ودولية دائمة للأمن البحري، بدعم دولي، بما يحول الجزر من مواقع صراع إلى مكونات في بنية أمن البحر الأحمر. ويمكن أن تقوم هذه المنظومة على مراقبة الملاحة، والإنذار المبكر، وتبادل المعلومات، والبحث والإنقاذ، ومكافحة التهريب والقرصنة، وحماية السفن ا