في إدارة الدول والأزمات لا يكون الفشل دائماً نتيجة نقص الموارد أو ضعف القدرات، بل قد يبدأ من العجز عن تشخيص المشكلة. وعندما تعجز المؤسسات عن الاعتراف بأخطائها، يظهر أحد أخطر أنماط الإدارة السياسية وهي تصدير الفشل إلى الخارج بدلاً من البحث عن أسبابه في الداخل. هذه ليست ظاهرة جديدة فصناعة "الخصم الخارجي" تمنح بعض القوى مساحة للهروب من أسئلة الحوكمة والكفاءة والمساءلة، وتساعدها على حشد جمهورها وتبرير إخفاقاتها، لكنها في الوقت نفسه تؤجل الإصلاح لأن المشكلة التي لا يُعترف بها لا يمكن علاجها. السودان مثال مؤلم على ذلك. فبعد سنوات من الحرب، لا تزال الدولة تدفع ثمن صراع عسكري وسياسي معقد، تتداخل فيه قوى مسلحة وشبكات مصالح ودعم متعدد. لكن السؤال الاستراتيجي الأهم يظل داخلياً، كيف وصلت الدولة إلى هذه المرحلة؟ وكيف يمكن إعادة القرار إلى مسار مدني قادر على بناء المؤسسات وإنهاء هيمنة السلاح؟ وفي اليمنأنتج أكثر من عقد من الصراع واقعاً لا يقل تعقيداً فالدولة تعيش انهياراً اقتصادياً وتفتتاً مؤسسياً وإدارياً، وتراجعاً في الخدمات، واستمراراً لسيطرة الحوثيينعلى مناطق واسعة ومؤسسات وموارد. وتشير تقارير الأمم المتحدةالحديثة إلى أن الاقتصاد اليمني انكمش بأكثر من النصف منذ بداية الصراع، فيما لا يزال الانقسام المؤسسي أحد العوامل التي تعمق الأزمة. القاسم الاستراتيجي بين مثل هذه الأزمات هو أن الدولة عندما تضعف تملأ الفراغ قوى أخرى مثل الميليشيات، والأحزاب، والأيديولوجيات، وشبكات المصالح والتدخل الخارجي. وهنا يصبح البحث عن "المتهم" أسهل من إعادة بناء الدولة. وتزداد المشكلة خطورة عندما تدخل التنظيمات الأيديولوجية في معركة السردية، فتُحَوّل الصراع السياسي إلى قضية وجودية، وتصبح المحافظة على النفوذ أهم من المحافظة على الدولة. وهنا تحديداً ينبغي قراءة أدوار تيارات مثل "جماعة الإخوان المسلمين" والتيارات المرتبطة بها، حالةً بحالة مع التركيز على أثر تسييس المؤسسات وتقديم الولاء التنظيمي على مفهوم الدولة الوطنية. وفي المقابل تقدم الإمارات مثالاً مختلفاً في فلسفة إدارة الدولة، فهي تسعى لتقليل استهلاك الطاقة في الجدل، وزيادة الاستثمار في بناء القدرات. فمن الفضاء إلى الذكاء الاصطناعي، ومن الاقتصاد إلى البنية التحتية والشراكات الدولية، أصبحت الأولوية لما يمكن إنجازه في المستقبل، لا لما يمكن تبريره من الماضي. وهنا تكمن المعادلة في أن الدول التي تواجه أخطاءها تستطيع إصلاحها، والدول التي تصنع من الآخرين شماعة دائمة قد تكسب معركة السردية موَقتاً، لكنها تخسر معركة المستقبل.