تتصاعد أزمات الطاقة العالمية وتتقاطع مع التوترات الجيوسياسية، لترخي بظلالها الثقيلة على الاقتصادات الهشة التي تواجه اليوم ضغوطاً غير مسبوقة. فمع متوالية ارتفاع أسعار النفط واضطراب الممرات البحرية، تنتقل الصدمات بتواتر سريع من الأسواق العالمية إلى الدوائر المحلية الأضيق، حيث تتحول الزيادات في كلفة الطاقة إلى تضخم شامل يلتهم القدرة الشرائية للفئات الأكثر ضعفاً. وفي دول مثل سوريا ولبنان، حيث هشاشة البنية الإنتاجية وتراجع الاحتياطيات الأجنبية، لم تعد الأزمة الاقتصادية مجرد انكماش في المؤشرات، بل تحولت إلى عامل ضغط مباشر على النسيج الاجتماعي. فالفقر المتصاعد والبطالة يخلقان بيئة مواتية لملامح الاضطراب وعدم الاستقرار على المستوى الاجتماعي، كنتيجة حتمية للمشهد الاقتصادي المرتبك. من هنا يبدو من الحكمة الاستماع إلى هواجس واقعية تعتري المواطن كما المحللين الاستراتيجيين: هل يمكن أن تؤدي هذه الأزمة إلى زعزعة الاستقرار الاجتماعي بتجليات متعددة لمصطلح عدم الاستقرار؟ وكيف يمكن للحكومات، في ظل موارد شحيحة، أن تتفادى الانزلاق نحو الفوضى؟ يستهل المستشار وأستاذ الاقتصاد في جامعة دمشق، د. زياد عربش، إجابته حول احتمالات التأثيرات السلبية للأزمات الاقتصادية على البنية الاجتماعية وخلخلة الاستقرار، بكلمة "نعم". ويرى أنه إذا استمرت الأسعار بالارتفاع، يمكن أن تؤثر بشكل بالغ الخطورة على الاستقرار الكلي، أي قد تفضي إلى حالة من عدم الاستقرار، بل إنها تشكل اليوم أحد أخطر التهديدات، وقد تؤدي إلى احتقانات وهزات اجتماعية إذا لم تُعالج بسرعة وحكمة. ويلفت إلى أن السبب واضح، فعندما يرتفع سعر النفط، ترتفع معه أسعار الكهرباء والنقل والغذاء والدواء وكل السلع والخدمات، أي حوالي 500 ألف سلعة وخدمة. وهذا يعني أن المواطن العادي الذي أصلاً يعيش على حد الكفاف، يجد نفسه وبشكل تراكمي عاجزاً عن تأمين أبسط احتياجات أسرته. فالأجور شبه مجمّدة، والمدخرات انتهت منذ سنوات، وشبكات الدعم الاجتماعي شبه معدومة. والتاريخ يعلّمنا أن الانفجارات الاجتماعية في المنطقة لم تبدأ غالباً من مطالب سياسية بحتة، بل من مطالب معيشية: رغيف الخبز، أسطوانة الغاز، فاتورة الكهرباء، راتب لا يكفي. وفي سوريا كما لبنان ومعظم دول المنطقة، الشرائح الأكثر هشاشة كالموظف الحكومي، والعامل اليومي، والمتقاعد، وأسر المهجرين، تعاني الأمرّين، ناهيك عن شريحة لا تملك مدخرات أو سبل عيش ولا شبكات أمان. يستدرك د. عربش، ويوضح أن الخلخلة ليست حتميةً، فقد يبقى الغضب كامناً إذا غابت شرارة الاشتعال، كوجود قناة للتعبير، أو شعور جماعي بأن الوضع يمكن أن يتغير، أو عجز الدولة عن الاحتواء. والخطر الأكبر في سوريا ليس بالضرورة انفجاراً واحداً كبيراً، بل تفكك اجتماعي تدريجي: هجرة متسارعة، جريمة متفاقمة، انهيار خدمات أساسية، وعودة إلى اقتصاد الكفاف. هذا التفكك أخطر من الانفجار نفسه، لأنه يستهلك مستقبل البلاد ببطء. في ذات الاتجاه ينبّه الخبير الأكاديمي وأستاذ الاقتصاد الدكتور محمد كوسا، إلى أن أسعار الطاقة والمشتقات النفطية كانت الشرارة المباشرة للاضطرابات الاقتصادية والاجتماعية في أكثر من 90 دولة حول العالم، وصولاً إلى ما يمكن وصفه بـ"الانفجارات المجتمعية". إذ لرفع المشتقات النفطية دور أساسي في تفاقم الأزمات الاجتماعية وتوليد الانفجارات التي تهدد السلم الأهلي، لا سيما في البلدان الهشة والبلدان التي عانت أو تعاني أزمات اقتصادية. فالمشتقات النفطية ليست مجرد سلعة تجارية عادية، بل هي عصب الاقتصاد ومحرك الحياة اليومية، حيث يرتبط رفع أسعار المحروقات بتهديد الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، عبر جملة آثار، كضرب القدرة الشرائية لأنها تنعكس على أسعار النقل والغذاء والسلع بشكل مباشر وسريع. ثم أنها تفجّر غضباً متراكماً، حيث تأتي في ظل أزمات معيشية واقتصادية عميقة، وهنا تعمل كشرارة لتفجير احتقان شعبي أوسع. ارتباك اقتصادي وأزمة اجتماعية ويتوقف د. كوسا عند الحالة السورية واللبنانية، ويرى أن رفع أسعار المشتقات النفطية في سوريا ولبنان باقتصادهما الهش، الذي يفتقر إلى الإنتاج الحقيقي، ليس مجرد إجراء اقتصادي للتقشف، بل هو شرارة تُلقى في المضمار الاجتماعي. فالزيادات على أسعار حوامل الطاقة لا تعالج الأزمة، بل تعمل كمسرّع لتفكيك النسيج الاجتماعي. ففي سوريا ولبنان اقتصادان يعتمدان على الاستيراد لتأمين الغذاء والطاقة، لذا ينتقل أثر رفع أسعار الوقود فيهما فوراً إلى كل شيء. وتظهر النتائج المباشرة على شكل تضخم، حيث الوقود هو شريان النقل والزراعة والصناعة، وبالتالي رفع سعره يرفع كلفة إنتاج الخبز والخضار والسلع الأساسية، ويضاعف أجور النقل. النتيجة تضخم يلتهم أي زيادة في الرواتب، كما حدث في لبنان حيث تم رفع الرواتب لكن التضخم وزيادة ضريبة القيمة المضافة ا