مقالات · أرشيف المقالات في عيدها الوطني.. السعودية ولبنان: مسيرة وفاء وأخوَّة من عهد المؤسِّس إلى الطائف وصولاً إلى إنقاذه بقلم زياد سامي عيتاني 23 أيلول 2026 · 01:14 ص 5 دقائق قراءة حجم الخط في الثالث والعشرين من أيلول من كل عام، تتجه أنظار اللبنانيين وأفئدتهم صوب الرياض، لا لتشارك الشقيق الأكبر فرحة يومه الوطني الفضيل فحسب، بل لتستحضر أصداء تاريخٍ يعبق بالوفاء الصادق والامتنان العميق. إنها لحظة استحضارٍ وفية لعلاقةٍ لم تكن يوماً حبراً على ورق المراسلات الدبلوماسية، ولا نتاج تقاطعاتٍ سياسية عابرة، بل عهداً وثيقاً كُتب بمداد الأخوة الدافئة والاحتضان الأخوي الصادق بين بلدٍ لم يتخلَّ عنه أشقاؤه في أعتى ظروفه العجاف، وبين لبنان دولةً وحكومةً وشعباً الذي يجد نفسه اليوم، وبحكم مبادئ الوفاء والضمير القومي والروابط الوجدانية الراسخة، واقفاً بصلابة إلى جانب المملكة، يشاركها أعيادها، ويتضامن مع مسيرتها التنموية الشاملة، ويرى في أرض الحرمين الشريفين السند العطوف والعماد المتين لكرامته واستقراره. وفي هذا اليوم المجيد، يستشعر كل عربي ومواطن لبناني حر أبعاد الحضور السعودي القيادي والوجداني في المنطقة؛ فصمود المملكة وثباتها الميداني والاستراتيجي الباسل في وجه اعتداءات الميليشيات الحوثية والمشاريع التخريبية العابرة للحدود لم يكن مجرد دفاعٍ شرعي عن أمنها القومي وسيادتها الفضيلة فحسب، بل كان مظلة أمان صلبة، وحصناً هاشماً، وصمام استقرار للأمة العربية بأسرها، وحائط صدٍ منيعاً منع تهاوي المنطقة في آتون الفوضى والتفتيت والمخططات التوسعية المأجورة. إن مبادئ الوفاء الأصيلة التليدة تلزم لبنان بمؤسساته وشعبه الشريف ألا ينسى اليد التي تمتد إليه دائماً بالخير والبلسمة والاحتضان، فمنذ عهد الملك المؤسس عبد العزيز آل سعود -طيب الله ثراه- حتى يومنا هذا، أثبتت الأيام والمتغيرات أن سلامة لبنان واستقراره وعروبته هي قضية وجدانية واستراتيجية ثابتة لدى القيادة السعودية، تماماً كما أن أمن المملكة وسيادتها هي محط إجماع ووفاء لدى اللبنانيين الشرفاء جميعاً. إن العلاقة بين الرياض وبيروت بُنيت على رؤية استشرافية مبكرة من الملك المؤسس عبد العزيز آل سعود، الذي أدرك بنظره الثاقب قيمة الثروة البشرية والثقافية للبنان. فقبل أن تُرسَم الخرائط ويُعلن استقلال لبنان الناجز عام 1943، كانت حكمة المؤسس تتطلع لبناء دولة حديثة قائمة على الفكر والكفاءة، ففتح أبواب المملكة مبكراً للخبرات اللبنانية في مجالات الإدارة والطب والهندسة والصحافة، ليكونوا شركاء محترمين في تأسيس مداميك الدولة الفتية وصياغة سياستها وتطوير مؤسساتها. كيف ننسى أن ابن بلدة رشميا اللبنانية، فؤاد حمزة (أبو سامي)، تبوأ موقع المستشار الخاص للملك عبد العزيز ووكيل الشؤون الخارجية، ليكون في طليعة من وضعوا اللبنات الأولى للدبلوماسية السعودية الحديثة في أروقة العالم ومحافله الدولية؟ وكيف نغفل عن المهندس موريس الجميل الذي استعان الملك برؤيته للتخطيط الهندسي وتطوير مشروعات السدود المائية لمواجهة شح المياه في البدايات، أو عن الأديب الكبير أمين الريحاني الذي خلد عبقرية المؤسس ورسخ مكانته في سفره التاريخي الخالد «ملوك العرب»؟ إن هذه الجسور الإنسانية والثقافية والمهنية كانت المقدمة الطبيعية لموقف سعودي حاسم ومفصلي عام 1943؛ فحين اعتقل الاستعمار الفرنسي رجالات الاستقلال في قلعة راشيا، تحركت الرياض بثقلها الدبلوماسي العربي والدولي مطالِبة بالإفراج الفوري عن بشارة الخوري ورياض الصلح ورفاقهما، ليكون استقلال لبنان حقيقة موجزة وثمرة مباركة للنضال الوطني المدعوم بهذا الغطاء العربي الرصين. توطدت هذه الروابط في عقود الخمسينيات والستينيات والسبعينيات، حيث أصبحت المملكة الحاضنة الأولى لعشرات الآلاف من اللبنانيين الذين ساهموا بكل إخلاص في النهضة العمرانية والتنموية، وبنوا نجاحاتهم العصامية في أرض الخير، بينما كانت بيروت بمقاهيها، وجامعاتها، ومستشفياتها، ومرافقها السياحية المقصد الأول والبيت الثاني للسعوديين. ولكن، متى يظهر الشقيق الأكبر بحق؟ يظهر حين تتداعى الأسوار وتشتد النكبات وتصمت الأصوات للغة السلاح؛ وهذا ما تجسد جلياً مع اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975. ففي الوقت الذي انخرطت فيه أطراف إقليمية ودولية في تغذية أتون الاقتتال، وتحويل بيروت إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات ورسائل الدم، أرست المملكة سياسة أخوية شريفة قامت على الوقوف على مسافة واحدة من جميع الفرقاء، والرفض المطلق لتسليح أو تمويل أي ميليشيا، والتمسك الحصري بدعم مؤسسات الشرعية اللبنانية والعيش المشترك وترسيخ السلم الأهلي. ولعل المحطة التاريخية الأعظم التي تشهد على هذا النبل والالتزام الأخوي هي «مؤتمر الطائف» عام 1989. فحين أوشك لبنان على المحو من الخارطة الجغرافية