لن يحتاج أحدنا إلى مجهود كبير ووقت طويل كي "يتنبأ" بما سيدلي به رئيس الحكومة اللبنانية من على منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الحادية والثمانين بعد ساعات قليلة، أو حتى في اجتماعاته في العاصمة واشنطن. هو سيؤكد، في الأغلب، خطاب النوايا الشهير: أن لبنان يريد استعادة سيادته كاملة، وأن الدولة اللبنانية وحدها يجب أن تكون صاحبة القرار، وأن الجيش اللبناني هو المؤسسة الشرعية التي ينبغي أن تنتشر على كامل الأراضي، وأن لبنان يريد وقف الاعتداءات الإسرائيلية وانسحاب القوات الإسرائيلية من أراضيه، كما يريد تطبيق القرارات الدولية والالتزام بالاتفاقات، وأنه لا يريد الحرب بل السلام، ويحتاج إلى دعم المجتمع الدولي وإلى مساعدة الجيش وإعادة الإعمار وإنعاش الاقتصاد. وسيكرّر، على الأرجح، أن الحكومة ماضية في الإصلاحات، وأنها تعمل على إعادة بناء الثقة، وإصلاح القطاع المصرفي، ومعالجة الأزمة المالية، وتعزيز الإدارة العامة، ومكافحة الفساد، وأن الظروف الاستثنائية والحرب والتوتر الإقليمي جعلت الطريق أكثر صعوبة. ولكن، هذه الجمل الجاهزة والمواقف المعروفة والصحيحة في معظمها، ألا يعرفها العالم مسبقًا؟ هل يستأهل مجرّد تكرارها، منذ البيان الوزاري وخطاب القسم، السفر عبر القارات وتكبّد عبور المحيطات؟ ثم، ماذا في جعبة رئيس الحكومة عندما ينتهي من سرديته ويبدأ محاوروه "الاستجواب" ؟ ففي واشنطن، من المرجح أن تكون الإجابة الأميركية أقل شاعرية من الخطاب اللبناني. قد يستمع ماركو روبيو إلى شرح طويل عن صعوبة الوضع اللبناني، وعن الاعتداءات الإسرائيلية، والمخاطر الأمنية، والانقسامات الداخلية، والعجز الذي يواجه الدولة، وحاجة الجيش إلى الدعم، وضرورة عودة المهجرين إلى قراهم. لكنه سيعود في النهاية إلى السؤال نفسه: أين التنفيذ؟ فواشنطن دعمت، في الأشهر الماضية، فكرة أن الحكومة اللبنانية هي الطرف الشرعي الذي ينبغي التعامل معه، وربطت دعم الدولة اللبنانية باستعادة سلطتها على كامل أراضيها. وفي الإطار الذي رعته الولايات المتحدة بين لبنان وإسرائيل، ارتبط الانسحاب الإسرائيلي بنشر الجيش اللبناني من جهة، وبنزع سلاح حزب الله من جهة أخرى. وقد أكدت واشنطن أن استعادة سلطة الدولة اللبنانية ونزع سلاح الحزب جزء أساسي من طريق وقف الحرب الذي ينشده لبنان. ولذلك، قد يكون الرد الأميركي المتوقع بسيطًا إلى حدٍ محرج: نحن نسمع ونؤيد ما تقولونه، لكننا نريد أن نرى ما تفعلونه. هنا يصبح الكلام عن «الظروف» أقل إقناعًا. فمن الطبيعي أن تكون الحرب قد أثقلت كاهل لبنان، وأن يكون الاقتصاد قد تلقى ضربات إضافية، وأن يكون النزوح والدمار والبنية التحتية المنهكة عوامل حقيقية لا يجوز تجاهلها. وصندوق النقد نفسه أقرّ، في أحدث تقييم له في 18 أيلول، بأن الصراع بين حزب الله وإسرائيل والتطورات الأمنية الإقليمية ألحقت أضرارًا كبيرة بالاقتصاد ومستويات المعيشة. لكنه، في الوقت نفسه، تحدث عن ضرورة مواصلة الإصلاحات المالية والمصرفية وعن استكمال إعادة هيكلة القطاع المصرفي ووضع إطار مالي متوسط الأجل. أي أن الحرب يمكن أن تبرّر بعض التأخير، لكنها لا تستطيع أن تصبح مبرِّرًا دائمًا لكل شيء. فثمة فرق بين دولة تعجز عن تنفيذ وعد لأنها اصطدمت بعائق خارج عن إرادتها، ودولة تؤجل التنفيذ لأنها لم تتفق بعد على ما تريد فعله، أو لأنها تخاف من أن تصطدم بشبكات المصالح التي بنت النظام السياسي والاقتصادي على مدى عقود. والمفارقة أن الحكومة اللبنانية لا تواجه اليوم سؤالًا واحدًا عن الإصلاح، بل سلسلة أسئلة متراكمة. ماذا عن إعادة هيكلة المصارف؟ ماذا عن ودائع اللبنانيين؟ ماذا عن الدين العام؟ ماذا عن إصلاح المالية العامة؟ ماذا عن الإدارة؟ ماذا عن الكهرباء والمؤسسات العامة؟ ماذا عن مكافحة الفساد؟ ماذا عن استقلال القضاء؟ ماذا عن الاقتصاد النقدي؟ وماذا عن تلك المحميات السياسية والطائفية والمناطقية التي تجعل القانون في لبنان قابلًا للتفاوض بحسب اسم الشخص أو موقعه أو طائفته أو الجهة التي تقف خلفه؟ صندوق النقد لا يتحدث بلغة غامضة. ففي تقريره الأخير عن الحوكمة والفساد في لبنان، تحدث صراحة عن الحاجة إلى تعزيز سيادة القانون، وتحسين حوكمة المصرف المركزي والرقابة المالية، وإصلاح إدارة المال العام بما يعزز الشفافية والمساءلة. وفي أحدث بعثة له، رحب بتعديلات قانون معالجة أوضاع المصارف، لكنه شدد على أن الطريق لم ينته، وأن قانون الاستقرار المالي واسترداد الودائع ما زال يحتاج إلى تعديلات لضمان حماية حقوق المودعين والاستدامة المالية. ربما سيُقال للرئيس سلام، بلغة دبلوماسية أكثر نعومة من حقيقتها: لا نريد منكم خطبًا إضافية؛ نريد جدولًا زمنيًا، وقوانين نافذة، ومؤسسات تعمل، وقرارات تنفَّذ، وأموالاً تنفق بشفافية، ووعودًا يمكن قياسها. وقد يكون السؤال الأصعب متع