على رغم ارتفاع الأقساط السنوية للمدارس الخاصة، تستمر سعاد، المقيمة في ريف دمشق، بتسجيل أولادها في التعليم الخاص. طفلتها رؤى بلغت الصف الخامس بينما سجلت طفلها عبيدة في الصف الأول. وتبرر سعاد إصرارها على تسجيل الطفلين في إحدى المدارس الخاصة بالتدهور الذي طال المدارس الحكومية، والذي بدأ منذ اندلاع الثورة السورية، ولا يزال مستمراً رغم سقوط النظام. توضح سعاد لـ"المدن" أنها تدفع مبلغ 1300 دولار سنوياً عن طفليها، بينما لا يتطلب تسجيلهما في المدرسة الحكومية أي أموال، باستثناء بعض المصاريف البسيطة مثل المصروف اليومي والقرطاسية والهندام المدرسي غير الالزامي. وتتابع أن إصرارها على التعليم الخاص لا يتعلق بالجانب المادي، بقدر ما يُعد محاولة لحصول الطفلين على تعليم جيّد وأجواء تربوية ملائمة. وتضيف سعاد أن المدرسة الحكومية تعاني نقصاً كبيراً في الكوادر التدريسية، فضلاً عن اكتظاظ التلامذة في المقاعد الدراسية المحطمة وغير النظيفة. وكل هذه المسائل تعد، من وجهة نظرها، بسيطة أمام تنامي ظاهرة التسرب الدراسي التي لا تزال دون حلول جذرية. واقع المدارس الحكومية مزرٍ جداً تراجع مستوى قطاع التعليم الحكومي في سوريا ليس وليد اللحظة، بل بدأ منذ قرابة عقد ونصف العقد من الزمن، وما زال من دون حلول جادة من وزارة التربية. الأستاذ عبد الملك الحاج عثمان، يشرح لـ"المدن" بعض المشاكل، ولا سيما عدم توفر العدد الكافي من الكتب المدرسية لجميع الطلاب، مشيراً إلى أن معظم المدارس في ريف إدلب عانت خلال العام الماضي نقصاً شديداً في الكتب، بينما تغيب معظم أدوات التعليم والإيضاح، بالتوازي مع نقص في المعلمين والمعلمات، وتحديداً في اختصاصات العلوم الكونية مثل الرياضيات والفيزياء والكيمياء. من جانبه، يؤكد الخبير التربوي محمد المحمد أن قسماً كبيراً من المدارس العامة في سوريا تعاني نقصاً في التدفئة والمقاعد والصيانة، ما أنتج بيئة صفّية مكتظة تضر بجودة التعليم. ويضيف لـ"المدن" أن المناهج في حاجة ماسة للتعديل والتدقيق عبر مختلف المراحل، مع تسجيل عجز متكرر في توفير الكفاية من الكتب المدرسية مع انطلاق كل عام دراسي. ويؤكد المحمد أن المشاكل التي تعاني منها المدارس الرسمية أدت إلى رفع نسبة الإقبال على المدارس الخاصة. وصحيح أن قطاع التعليم الخاص بات يخفف الضغط عن المدارس الرسمية، لكنه لا يُشكل حلاً شاملاً أو بديلاً عن تطوير التعليم العام وضمان تكافؤ الفرص لجميع الطلاب. بدورها، ترى مرام، التي تقيم في إدلب، أن التعليم الخاص في محافظة إدلب قدّم منذ سنوات حلاً مقبولاً لمشكلة رداءة التعليم الحكومي. وبناء على تجربتها الشخصية، تؤكد مرام لـ"المدن" أن التعليم الخاص في معظم مدن المحافظة سبق المدارس الحكومية بمراحل. فالمدرسة الخاصة توفر بيئة نظيفة ومقاعد أنيقة ومكاناً مريحاً للتلميذ، والأهم أن هذه المدارس استقطبت خلال الأعوام الماضية مئات الكوادر الخبيرة بالتعليم في كافة المراحل الدراسية. فقد شكلت بيئة جاذبة لمعلمي ومعلمات المدارس الحكومية بسبب المدخول المادي الأعلى. تضيف مرام أن متوسط القسط السنوي لتلميذ المرحلة الابتدائية في إدلب يصل إلى 400 دولار. أما متوسط القسط السنوي لطالب المرحلة الثانوية فيبلغ قرابة 700 دولار، وهي أرقام منخفضة مقارنة ببعض المحافظات مثل دمشق وريفها وحلب. يعاني الأهالي من ذوي الدخل المحدود أو من الطبقة الوسطى، من الكلفة الباهضة للأقساط في التعليم الخاص، وتضاف إليها أكلاف النقل والهندام والكتب وغيرها من اللوازم المدرسية. عفراء سيدة من دمشق أشارت لـ"المدن" إلى أن الاقساط السنوية في المدارس الخاصة في دمشق تختلف وفقاً للمرحلة الدراسية. فالمرحلة الابتدائية تبدأ غالباً من 1200 دولار كحد أدنى، وقسط المرحلة الإعدادية لا يقل عن 1400 دولار، بينما قد يرتفع القسط السنوي في المرحلة الثانوية إلى قرابة ألفي دولار. تضيف عفراء أنها حاولت البحث عن مدرسة خاصة أقل كلفة لأن القسط السنوي يوازي راتب زوجها لثلاثة أشهر، لكن دون جدوى، ما اضطرها إلى القبول بهذا الواقع كحل مؤقت في انتظار تحسين القطاع التعليمي الحكومي الذي كان ذا مستوى مقبول في العقود الماضية التي سبقت اندلاع الثورة. من جانب آخر، هناك من بين الآباء والمعلمين من ينظر إلى الإقبال الواسع على التعليم الخاص من وجهة نظر سلبية، وذلك لأسباب مادية تتمثل بوجود النسبة الأكبر من السوريين تحت خط الفقر. بعض الطلاب يختارون المدارس الخاصة بسبب وجود وسائل تعليمية حديثة لتسهيل الدروس وجعلها تطبيقية وعملية، وتكون أسهل استيعاباً للطالب، بخلاف الوضع في المدارس الحكومية، التي تفتقر معظمها إلى أبسط وسائل وأدوات التعليم الحديثة. ويرى الأستاذ عبد الملك عثمان أن توسيع القطاع التعليمي الخاص لا ينعكس إيجاباً على المجتمع بسبب ضيق الحال لدى الفئة الأكبر