يدخل لبنان اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك هذه المرّة، وفي حقيبته استحقاق يتجاوز مصير قوّة الأمم المتّحدة الموقّتة في لبنان "اليونيفيل"، إلى سؤال آخر: كيف يُملأ الفراغ في الجنوب بعد انتهاء مهمّتها، وتحت أيّ مرجعيّة سياسية وأمنيّة وقانونية؟ فالمشكلة لم تعد محصورة بتمديد تقنيّ لقوّة دولية تعمل في الجنوب منذ عقود، بل باتت تتصل بمستقبل المرجعيّة الدوليّة الناظمة للوضع جنوب الليطاني، وبالشكل الذي ستتمّ فيه إدارة المرحلة الانتقالية المقبلة، في ظلّ نقاشات متوازية حول دور الجيش اللّبنانيّ، وآليات المراقبة، ومستقبل الوجود الدوليّ، وحدود أيّ تفاهم أمنيّ جديد بين لبنان وإسرائيل. وعليه، انتقلت المعركة اللّبنانيّة تدريجيًّا من محاولة الإبقاء على "اليونيفيل" كما هي، إلى محاولة الإبقاء على ما تمثّله: مظلّة دولية، ومرجعيّة أممية، وآلية مراقبة واتصال، وحضور ميدانيّ لا يجعل الجنوب منطقة تُدار حصرًا بتوازن القوة بين لبنان وإسرائيل. هذه، في جوهرها، هي معركة المرحلة الانتقالية. من بقاء "اليونيفيل" إلى بقاء المرجعيةفي نيويورك، يبدو أن الخطاب الرسمي اللبناني بدأ يتكيّف مع هذه الحقيقة. فرئيس الحكومة نواف سلام لم يحصر الموقف اللبناني بالمطالبة بالإبقاء على "اليونيفيل"، بل شدّد خلال لقاءاته على ضرورة استمرار وجود دولي تحت مظلّة الأمم المتحدة في الجنوب في مرحلة ما بعد القوّة الحالية، بما يضمن استمرار المراقبة والتواصل، ويدعم مسار بسط سلطة الدولة اللبنانية.فلبنان يحاول عمليًا الفصل بين انتهاء صيغة "اليونيفيل" الحالية، وبين انتهاء المرجعيّة الأممية نفسها. ذلك أن خسارة الأولى يمكن التعامل معها عبر تعديل شكل القوة ومهامها، أمّا خسارة الثانية فتعني انتقال ملف الجنوب من إطار القرار 1701 ومجلس الأمن إلى منظومة تفاهمات أمنية وسياسية جديدة، قد تصبح فيها المفاوضات الثنائية مع إسرائيل، أو أي "اتفاق إطار" جديد، المرجعية الأساسية لإدارة هذا الملف.فأيّ تسوية مقبلة ستلامس ملفات شديدة الحساسيّة، تبدأ بالانسحاب الإسرائيلي وانتشار الجيش اللبناني، ولا تنتهي عند مراقبة الحدود وآليات التحقّق وحصر السلاح بيد الدولة. ولذلك، لا يدور النقاش حول وجود جنود دوليين في الجنوب فحسب، بل حول الصلاحية السّياسيّة والقانونيّة الّتي سيعمل هؤلاء الجنود بموجبها.هل تأتي القوة الجديدة امتدادًا لمنظومة الأمم المتحدة والقرار 1701، أم تصبح جزءًا من ترتيب أمني جديد بين لبنان وإسرائيل؟ وهل تكون مهمتها مراقبة الخط الأزرق، أم مراقبة اتفاق أوسع؟ وهل تساند الجيش في الانتشار، أم تمتدّ مهمّاتها إلى ملفات أمنية وسيادية أكثر حساسيّة؟ هذه الأسئلة، لا اسم القوة وحده، هي التي تحكم النقاش الحالي. المرحلة الانتقالية: ماذا يريد لبنان أصلًا؟مصدر فرنسيّ مطّلع يقول لـ"المدن" إن التفكير الدولي انتقل عمليًا إلى اليوم التالي لـ"اليونيفيل"، أي إلى شكل المرحلة الانتقالية التي تفصل بين انتهاء الصيغة الحالية وقيام أي ترتيب بديل.وبحسب المصدر، لم يعد النقاش الجدّي يدور حول إعادة إنتاج "اليونيفيل" كما هي، بقدر ما يدور حول طبيعة القوة أو الآلية التي يمكن أن تأتي بعدها، ومهمّاتها، وصلاحياتها، والإطار القانوني والسياسي الذي ستعمل من خلاله.وهنا، ترى مصادر "المدن" أن نقطة البداية ليست في تحديد الدول المستعدة لإرسال جنود، بل في تحديد لبنان نفسه لما يريد من هذه القوة. فهل المطلوب قوة لمراقبة الحدود؟ وإذا كان الأمر كذلك، فأي حدود تحديدًا؟ هل المقصود الخط الأزرق وحده، أم نطاقًا أوسع؟وهل تكون مهمتها دعم الجيش اللبناني؟ وإذا كانت مهمتها الدعم، فما طبيعة هذا الدعم؟ هل يقتصر على المراقبة والانتشار وحماية الاستقرار، أم يمتدّ إلى مساندة الجيش في تنفيذ قرارات داخلية تتصل بحصر السلاح بيد الدولة؟ هذه، وفق المعلومات، ليست تفاصيل تقنية يمكن تأجيلها إلى ما بعد الاتفاق السّياسيّ، بل هي جوهر أي صيغة مقبلة.فلا يمكن لأيّ قوة دولية أن تُنشأ من دون تحديد واضح لمهمّتها، وقواعد عملها، وصلاحياتها، والضمانات المقدّمة للدول التي ستشارك فيها. كما أن أيّ انتشار أجنبي في الجنوب يحتاج، أولًا، إلى طلب رسمي من الحكومة اللبنانية، لا إلى تفاهم خارجي يُفرض على بيروت بعد اكتماله. وبهذا المعنى، تصبح المرحلة الانتقالية اختبارًا للبنان نفسه بقدر ما هي اختبار للمجتمع الدولي: هل يدخل المفاوضات بموقف محدّد عمّا يريده من القوة الجديدة، أم يترك للدول المعنية رسم المهمة ثم يبحث لاحقًا في كيفية التكيّف معها؟ بين حلقة ثنائية وإطار دولي أوسعفي مرحلة سابقة، تركّز جانب من النقاش على دائرة أضيق مرتبطة بالمفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل. وضمن هذا المسار، طُرحت فكرة وجود قوة دولية تتولى مراقبة تنفيذ مذكرة تفاهم أو اتفاق أمني قد ينشأ بين الطرفين، وجرى تداول