تفتح الولايات المتحدة جبهة ضغط جديدة على إيران، هذه المرة من بوابة الطيران المدني، مع اقتراب دخول العقوبات الأميركية على نحو 27 شركة طيران إيرانية حيز التنفيذ الكامل غدًا الأربعاء، في خطوة لا تقتصر تداعياتها على حركة الرحلات، بل تمتد إلى شبكات التمويل والإمداد والصيانة والجهات الدولية التي تواصل التعامل مع هذه الشركات. وبحسب تحليل للمقدم في الاحتياط عميت ياغور في صحيفة "معاريف" الإسرائيلية، فإن الخطوة الأميركية لا تمثل مجرد إضافة جديدة إلى سلسلة العقوبات الاقتصادية المفروضة على طهران، بل يمكن النظر إليها، وفق توصيفه، باعتبارها محاولة لفرض ما يشبه "حصارًا جويًا عالميًا" على إيران، يتجاوز المطارات ليطاول سلسلة القيمة الكاملة لقطاع الطيران. وكانت وزارة الخزانة الأميركية قد أعلنت رسميًا فرض عقوبات على 27 شركة طيران إيرانية ضمن حملة أوسع استهدفت قطاع الطيران وشبكات مرتبطة به، مؤكدة أن الجهات التي تقدم دعمًا ماديًا أو ماليًا للقطاع قد تتعرض بدورها لمخاطر عقوبات ثانوية. ولا تكمن قوة الإجراء، وفق التحليل، فقط في منع الطائرات الإيرانية من الهبوط في دول غربية، بل في آلية الضغط على أطراف ثالثة حول العالم. فواشنطن وجهت تحذيرًا واضحًا إلى جهات دولية بأن التعاون بصورة جوهرية مع شركات الطيران الإيرانية الخاضعة للعقوبات قد يعرّضها لعقوبات ثانوية، بل وربما لخطر الانفصال عن النظام المالي الأميركي. وهذا يعني أن مطارات دولية في بلدان شكّلت حتى اليوم ما يمكن وصفه بـ"مساحة تنفس" لإيران، من الإمارات إلى تركيا وآسيا الوسطى، قد تجد نفسها مضطرة إلى إعادة النظر في تقديم الوقود أو خدمات الصيانة أو مناولة الشحنات أو نقل الركاب إلى طائرات إيرانية. كما يستهدف الإجراء سلاسل الإمداد عبر ملاحقة شركات الواجهة وشبكات الوسطاء التي اعتمدت عليها إيران للحصول على قطع الغيار والمكونات التكنولوجية اللازمة لاستمرار تشغيل أسطولها الجوي المدني والعسكري. ويرى ياغور أن الخطوة تعكس أيضًا تحولًا في النظرة الأميركية إلى البنية المدنية الإيرانية. ففي حين تركز الضغط سابقًا بدرجة أكبر على القطاعات العسكرية أو المدنية المرتبطة بها بصورة مباشرة، تتوسع الضغوط الآن باتجاه قطاع الطيران المدني نفسه، انطلاقًا من تحليل يعتبر أن جزءًا من هذه البنية يؤدي أدوارًا تخدم نشاطات النظام العسكرية والإقليمية. ووفق التحليل، عملت طهران لسنوات على الفصل بين الطيران المدني والأنشطة العسكرية، فيما استخدمت شركات مثل "ماهان إير" و"بويا إير" و"إيران إير"، بحسب الكاتب، كمنصات لوجستية للحرس الثوري وجهات مرتبطة به. وتحت غطاء مدني وطواقم تجارية، يقول التحليل إن أموالًا نقدية وأسلحة متطورة ومكونات لطائرات مسيّرة وصواريخ وعناصر جرى نقلها إلى أنحاء مختلفة من الشرق الأوسط، بما يشمل المساعدة المقدمة إلى حزب الله والعلاقات العسكرية مع روسيا. وكانت وزارة الخزانة الأميركية قد قالت في تموز إن "ماهان إير" شكّلت قناة رئيسية لنقل أسلحة وعناصر ومعدات عسكرية مرتبطة بالحرس الثوري، في سياق عقوبات منفصلة طالت شبكات داعمة للشركة. وبحسب القراءة الواردة في "معاريف"، فإن الخطوة الحالية تكرّس قاعدة أميركية أكثر تشددًا مفادها أن البنية المدنية التي تُستخدم أيضًا لخدمة النظام في مجالات عسكرية يمكن أن تصبح بدورها هدفًا للضغط الاقتصادي. تداولت شبكات التواصل فرضية مفادها أن إيران قد تتمكن بسهولة من تجاوز القيود عبر تسيير رحلات إلى الصين، ومن هناك نقل الركاب والبضائع إلى بقية أنحاء العالم. إلا أن التحليل يرى أن العقوبات الأميركية لا تتوقف عند هوية المسافر أو ختم جواز سفره، وإنما تطاول شبكة الخدمات المالية والتجارية التي يقوم عليها قطاع الطيران. فشركات الطيران الدولية العاملة في الصين تعتمد، بدرجات مختلفة، على التسويات بالدولار، وتأجير طائرات أميركية وأوروبية، وعلى خطوط مرتبطة بالأسواق الغربية، ما يعني أن إصدار تذاكر متابعة لركاب قادمين عبر شركات إيرانية أو التعامل مع رحلاتها قد يعرضها لمخاطر ناتجة من العقوبات الأميركية. كما يشير التحليل إلى أن القطاع المالي الصيني يتصرف عادة بحذر شديد حيال العقوبات الأميركية. وحتى إذا ظهرت مسارات التفافية معقدة عبر الشرق، فإنها ستكون، وفق التقدير نفسه، أكثر كلفة وتعقيدًا ومحدودة بدرجة كبيرة. وتتضاعف أهمية الضغط على قطاع الطيران عند ربطه بمسار موازٍ يتمثل في تصعيد الضغوط على صادرات النفط والغاز الإيرانية واستهداف البنية الاقتصادية المرتبطة بقطاع الطاقة. ومن هنا يتحدث التحليل عن تأثير يشبه "حركة الكماشة الاقتصادية واللوجستية": فمن جهة يجري الضغط على صادرات النفط التي توفر العملة الأجنبية، ومن جهة أخرى تتعرض شبكة الطيران المدني التي تتيح إدخال المعدات والبضائع والربط الخارجي لضغوط متزاي