تنتشر "السيارات القديمة المنهكة" على قارعة الطرقات في مختلف المناطق اللبنانية، وهي ظاهرة ليست بجديدة، فهي انعكاس لمشهد رحيل أصحابها، أو تقاعدهم، أو حتى احتفاظ الورثة بها بوصفها خانة من خانات الذاكرة الجمعية. مشهد يكاد لا يغيب عن مدينة أو بلدة لبنانية: سيارات قديمة تستقر عند جوانب الطرق، وأخرى تحتل أجزاء من الأرصفة أو تنام منذ سنوات أمام أبنية لم تعد تعرف متى وصلت إليها. بعضها مغطى بالغبار، وبعضها فقد لون طلائه أو أجزاء من هيكله، فيما لا تزال أخرى تحتفظ بتفاصيل تروي زمناً كانت فيه هذه السيارات عنواناً للرفاه والحداثة. عند هذه الزوايا، يبدو كأن الزمن توقف بالفعل. سيارات كانت يوماً تضج بالمحركات والأغاني والرحلات العائلية، وتحمل أصحابها بين المدن والقرى، انتقلت من زمن الصخب و"أيام العز" إلى حضور صامت على قارعة الطريق. لم تعد وسيلة نقل، لكنها أيضاً لم تختف، فتحولت إلى جزء من المشهد المديني، وإلى شاهد حديدي على عقود مرت وتبدلت خلالها البلاد وأهلها. لكن خلف هذا المشهد الذي قد يثير الحنين، قصة أخرى أقل رومانسية: لماذا بقي هذا العدد من السيارات القديمة والمتروكة في الشوارع؟ من يملكها اليوم؟ ولماذا لا ترفع؟ وهل نحن أمام مقتنيات يحتفظ بها أصحابها لارتباط عاطفي أو لقيمتها، أم أمام "مقابر سيارات" مفتوحة تتمدد بهدوء في المساحات العامة؟ امتعاض ومطالبات برفع السيارات أمام اتساع هذه الظاهرة ارتفعت الصرخة والمطالبة بحلول جذرية لها، تقول السيدة مي "لم يعد هناك مكان نركن فيه سياراتنا، في غالب الأحيان نستمر باللف والدوران لنجد مكاناً نقف فيه، فقد ازدادات السيارات وتقلصت أماكن الوقوف"، مضيفة "نشعر بريبة مع وجود تلك العجلات، وتحديداً بعدما قام بعض الأطفال بتكسير أجزاء من زجاجها من أجل الدخول إليها واللعب داخلها، ولكن ما الضمانة لعدم تحولها إلى مأوى لأشياء غير لائقة"، "كما أنها تحولت إلى مركز لتجمع الحشرات والقوارض، وأصبحت مهترئة إلى درجة لا يمكن معها إعادة إحياء تلك السيارات". تؤشر السيدة بصورة غير مباشرة إلى الخطر الأمني والأخلاقي لوجود تلك السيارات "مجهولة المصير" بين منازلهم وفي الشوارع الضيقة. فيما تختار شريحة أخرى المهادنة ورفض المبالغة بموضوع السيارات القديمة، انطلاقاً من أن "أصحابها ينتظرون الفرصة لبيعها"، ويعتبر هؤلاء أن "وجود تلك السيارات التي يعود ميلاد بعضها لأكثر من 60 عاماً هي جزء من المشهد العام داخل الحي، وأن لا داعي لتحويلها إلى مشكلة وجدل عام". يستورد لبنان سنوياً عشرات آلاف السيارات بسبب غياب وسائل النقل العام (ا ف ب) تتجاوز ظاهرة السيارات القديمة العالقة على ضفاف الذاكرة والطرقات مسألة الوظيفة، وإنما تصبح انعكاساً لحالة الإنسان نفسه ولمكانة مالكها الاجتماعية والاقتصادية. فهي من جهة "تقاعدت عند تقاعد مالكها أو رحيله، وفي لحظة أخرى من اللحظات ساد الصمت وتوقف عداد الزمن لدى العائلة"، يقول نوار مضيفاً أن أفراد العائلة قرروا التمسك بسيارة الوالد وعدم تحريكها من المكان، حيث ركنها في أحد شوارع طرابلس شمال لبنان، فهي جزء من طفولتهم ويومياتهم، وصوت الزمور كان كافياً ليضع العائلة في حالة تأهب لاستقبال المقبل". مضت أربع سنوات، ولم يتغير شيء سوى أن الإطارات انكمشت، وعلت طبقة من الغبار والتراب أغطية السيارة، وافتقدت بريقها السابق، إلا أن القرار ما زال التمسك بتلك القطعة التي كانت جزءاً من العائلة وتعني لمالكها ولهم كثير. تعكس تلك التجربة تعدد واختلاف العوامل التي تدفع إلى التمسك بسيارة قديمة ومترهلة نظراً إلى قيمتها المعنوية والنفسية لدى المالك والمحيط، إذ يصبح التمسك بالشيء القديم بمثابة الحفاظ على جزء من الهوية وتذكار من حقبة مضت. تشكل السيارات القديمة جزءاً يسيراً من قطاع النقل في لبنان، الذي يعتمد إلى حد بعيد على الملكية الخاصة في ظل غياب النقل العام الفعال من جهة، ونقص القدرة المادية لتجديد أسطول النقل. وفي الموازاة، تكبر مشكلة الازدحام والحاجة إلى مواقف للسيارات، وبالتالي تتحول السيارات القديمة المتوقفة على أطراف الطرقات إلى ضغط حقيقي على الحيز المتاح للركن. ويروي أحد المواطنين أن "سيارة والده مرسيدس 190، بقيت مركونة في مكانها لأكثر من ثلاثة عقود من الزمن وعلى الحالة التي تركها عليها يوم وفاته، قبل أن يأتي اليوم الذي قرر فيه أن يبيعها لأحد راغبي السيارات الكلاسيكية وبحالة متعبة مقارنة بما كانت عليه في حينه". يكشف الباحث في الدولية للمعلومات محمد شمس الدين عن أن "لبنان يستورد 40 ألف سيارة في متوسط سنوي، وهو رقم أكبر من حاجته، علماً أن حجم الاستيراد قبل الأزمة المالية التي بدأت عام 2019 كان يبلغ 60 ألف سيارة سنوياً". وازدياد عداد السيارات سنوياً يشي بحاجة إضافية إلى أماكن لتوقيفها، كما ينذر بتصاعد مشكلة الازدحام التي يعانيه