الأب البروفسور جورج حبيقة النائب العام في الرهبانية اللبنانية المارونية والرئيس الفخري لجامعة الروح القدس الكسليك لبنان محاضرة في جامعة شيربروك – كندا مقدمة : مما لا ريبَ فيه أن التغيُّرات التي تشهدُها مجتمعاتنا اليوم، والتي أمْلتها العولمةُ الإعلاميّة والتقدّمُ التكنولوجي، ليست حوادث عارضة أو هامشية. فإن تقليصَ المساحات وإسقاطَ المسافات يدفعُ حتمًا إلى التفاعل بين العوامل الإنسانية كافة، سواءٌ أكانت دينيةً أم ثقافيّةً أم مجتمعيّة. لقد اضمحلت العُزلات القديمة، بعد أن اجتاحَها التدفّقُ العارم للعولمة. والعقبةُ الأكثرٌ حرجًا، التي سيصطدمُ بها الوجودُ الإنساني لا محالة، لن تكونَ في المقام الأول مسألةَ "الوجود" بحدّ ذاته، بل قطعًا مسألةَ "العيش معًا". كيف ينبغي إذن إعدادُ مجتمعاتنا، في النصف الأول من القرن الحادي والعشرين، لتقبلَ التنوّع، والتعدّديّة، والحقَّ في الاختلاف؟ وكيف يُصار إلى تربيتها على التثمين الإيجابي للتعدّد الثّقافي والتفاعل بين الثقافات؟ وانطلاقًا من الاعتبارات الدينيّة، والمجتمعيّة، والأنثروبولوجيّة، والوراثيّة، كيف يمكن قيادةُ الأجيال القادمة إلى اعترافِ بعضِها ببعضٍ وعيش فرح التّلاقي في حقِّ الاختلاف؟ 2. "القريةُ الكونيّة" والهويّات القاتلة . في هذه "القرية الكونية"، ستُدركُ مجتمعاتُنا أنَّ التصدّي لتفاقمِ الهويّات القاتلة أضحى أمرًا لا مفرّ منه. وفي هذا السياق، نتساءل كيف نكون وكيف نكون مع الآخر. وكيف ندير الموارد البشرية في تناقضاتها المتباينة، وندفعُها إلى قَبولِ بعضِها بعضًا كمحطّاتٍ وروافدَ لتجاربَ إنسانيةٍ فريدة لا غنى عنها، من أجل مقاربة متنوّعة لواقع متشعّبِ الأبعاد. فلولا الآخرُ، بِمَا هو عليه ومَنْ هو، هل كان لي أن أكون؟ ولولا الآخرُ، ولولا "اللا-أنا"، هل كان بمقدوري أن أعيَ هويّتي الخاصة؟ أليس هذا "اللا-أنا" هو ذاتُه الغريبُ الأصيل القابعُ في جوهر التغاير القائم في جسد الإنسانية المتكامل الذي لا يتجزأ؟ فحين أسعى إلى نمذجة هذا الآخر المختلف أو تهميشه أو إقصائه - وهو الشبيهُ المباين الذي يسائلني باستمرار ويدفعني إيجابًا إلى التساؤل حول ما أظنّه بديهيّاتٍ أبديّةً محصّنة تجاه أيّ نقاش فيها - ألا يكون ذلك بمثابة تدميرٍ ذاتيٍّ بطيء وغيرِ واعٍ، وبالتالي تعطيلاً مميتًا للملكات المعرفيّة والاستكشافيّة للعقل البشري، ومنها عقلي أنا بالذات؟ 3. الهويّاتُ المتعدّدة والتعدُّديّة الثقافيّة . يندرج هذا الطرح كلّيًا في ما يسميه "تشارلز تايلور" سياسة الاختلاف ("سياسة الاعتراف"، ضمن كتاب: "التعدّدية الثقافيّة: الاختلاف والديمقراطية"). يلاحظ تايلور أنه "قبل نهاية القرن الثامنَ عشر، لم يكن أحد يظنّ أن للاختلافات بين البشر هذا النوع من المدلول الأخلاقي. فهناك طريقة معيّنة للكينونة الإنسانيّة هي طريقتي الخاصة. وأنا مدعوٌ إلى عيش حياتي بهذه الطريقة، لا تقليدًا لحياة شخص آخر". ومن هذا المنطلق، يخلص تايلور إلى ما يراه حَريًّا بأن يُسمى "مبدأ الفرادة". وتعلّق "ماري غاي" في كتابها "المواطن": «كلُّ واحد منا فريدٌ من نوعه، ولديه ما يقوله مما لا يستطيع أيُّ آخر أن يصوغه. وفي المجتمع الديمقراطي، يتوجّب على الحكومة، إذ تعترف بـمساواة الجميع، أن تمنح الكلَّ الفرصَ عينها لتطوير ذواتهم الأصيلة". تُفضي بنا هذه المقارباتُ المتباينة إلى استنتاجٍ مفادُه أنّ التجذّر الأصيل، ومن ثَمَّ التماسك الهويّاتيّ، يمثّلان الخاسر الأكبر في ظلّ هذه المتغيّرات المجتمعيّة البالغة التعقيد. غير أنه يبقى بديهيًا أنَّ الانتماءات الأساسيّة للإنسان، التي نعتبرُها الركائزَ الأولى في بناء الهويّة، ليست نتيجةَ فعل إرادي. فمَن ذا الذي اختار أباه، أو أمَّه، أو وطنه، أو لغته، أو ثقافته، أو حتى دينَه في الأصل؟ لقد حقّق هايدغر كشفًا أونطولوجيًا عظيمًا عندما حدّد الكائنَ البشري بــ Dasein، أي "الكائن-هنا". وبالفعل، يجد المرءُ ذاتَه مُقحمًا في إحداثيّات زمانيّة ومكانيّة لم يكن له أيُّ يدٍ في اختيارها. وقد يعتبرُ البعضُ هذا النوع من التجذّر غير الإرادي إكراهًا خانقًا لحرّية الفرد، ولكن ما العمل، فهذا هو النمط الوحيد المتاح للوجود الإنساني. كيف يمكن أن نحظى بالوجود على نحو آخر؟ إن هذه المعادلةَ الأونطولوجيّة المحدّدة سلفًا إنما هي ممرٌ إجباري. ومن خلال هذا الترسّخ في معطيات وجوديّة سابقة، يُدعى الإنسان، في مفارقة ظاهرة، إلى تحقيق ذاته بحرّية. وعلى غرار اللاّوعي عند الإنسان الذي يتشكل تدريجيًا، ويصير قوةً خفيّة توجّه الأفراد في الخفاء، كذلك الحالُ بالنسبة للتجذّر الأساسي. فاللاّوعي، إذ يتطوّر بمعزل عن الشخص ويزداد تعقيدًا في المسارات الغامضة للآليات المعرفية الأولى، يحدّدُ لاحقًا سلوكَنا الحرّ والواعي. وبالطريقة ذاتها، فإن الانتماء الأساسي غيرَ الإراديّ يتحكم في كل طبقات حي