ليست المرة الأولى التي تندلع فيها مثل هذه المواجهة بين الطرفين حول عناوين شتى، ولكن هذه المرة يخوضها طرفاها وكأنها "معركة وجود"، فإما أن تثبت الوزارة المفترض أنها تجد في الدولة دعماً وسنداً فتستعيد الخزينة العامة ما لها من حقوق ورسوم وعائدات بمفعول رجعي، تقدّرها الجهات المعنية (الجيش وقوى الأمن الداخلي ووزارة المال) بنحو ثلاثة مليارات دولار، وإما أن ينجح هذا القطاع المترسخ القواعد في تحقيق الغلبة على الوزارة والدولة معاً فتنتهي المواجهة المندلعة بتسوية على الطريقة اللبنانية عنوانها الخارجي "لا يموت الديب ولا يفنى الغنم" ولكن ضمناً تكون الكفة فيها راجحة كما هي العادة لمصلحة "الطرف القوي" أي لمصلحة القطاع المحاصر بالكثير من الشبهات والتهم، ومنها قضم الجبال وتدمير البيئة التي تحلّ فيها كساراته ومقالعه من دون أن تقيم أي اعتبار للطبيعة وإنسانها. منطلق المواجهة الأخيرة بين الطرفين، عندما أصدرت الوزارة "أوامر تحصيل الضرر البيئي" و"كلفة التأهيل المترتبة" على هذا القطاع. وجديد هذا الأمر الذي أثار اعتراضاً صريحاً من العاملين في هذا القطاع، أن "هذه الأوامر" أتت بناءً على قانون أقر وصدر في عام 2019 ويطالب القطاع بدفع مستحقات ورسوم مترتبة عليه للدولة تحت أوامر تحصيل الضرر البيئي، لكن بمفعول رجعي يعود إلى عام 2004 امتداداً إلى عام 2018، فثارت ثائرة هؤلاء عام 2018 وانطلقوا في رحلة اعتراض شرسة تخللتها حملة على الوزارة واتهامات للوزيرة نفسها. وبناءً على ذلك سارعت وزارة البيئة إلى إصدار بيان توضيحي-دفاعي ورد فيه: إن حقوقاً تراكمت للدولة (في ذمة القطاع) على مدى سنوات طويلة، وبضرر بيئي وصحّي نتج عن استغلال المقالع والكسارات. وذكر البيان أن القيمة الإجمالية لهذه الحقوق تتجاوز ثلاثة مليارات دولار، مبنيّة على أساس مسوحات أجرتها فرق متخصّصة من الجيش وقوى الأمن الداخلي شملت نحو 1506 عقارات (في كل لبنان). وللتدليل على أن للمواجهة الحالية جذوراً ممتدة ذكر البيان أن وزارة البيئة اصدرت سابقا 71 امر تحصيل لكن ثمة ثغراً مطبعية حالت دون أن تكون قابلة للتحصيل وفق الأصول. وتابع البيان أن الوزيرة الحالية تمارا الزين، انكبّت منذ توليها مهماتها في عام 2025 على متابعة الملف مع الإدارات المعنية ولاسيما مديرية الشؤون الجغرافية في الجيش ووزارة المال وقوى الأمن الداخلي بهدف تصحيح المسار وعدم الاكتفاء بأوامر تحصيل شكلية لا تؤدي الى النتيجة المطلوبة. وواستطرد البيان أنه حتى تاريخه أرسلت الوزارة إلى وزارة المال 1509 أوامر تحصيل بقيمة تتجاوز ملياراً و300 مليون دولار فيما تستكمل إصدار ما بقي تباعاً عند ورود البيانات المطلوبة من الأمن الداخلي. وعن مسار القضية أبلغت الوزيرة الزين "النهار" أن الوزارة لم تحصّل إلى الآن أي مبلغ مستحق لأن عدداً من المكلفين تقدم باعتراضات أمام وزارة البيئة والمحاكم المختصة وبعضهم الآخر لجأ الى مجلس شورى الدولة مقدماً طعناً في قرار مجلس الوزراء المتعلق بآلية احتساب الرسوم المفروضة، ما يعني أمرين: الأول أن المكلفين ما زالوا ماضين في رحلة الممانعة والاعتراض، والثاني أن الملف بأكمله غدا في عهدة القضاء الذي يعود إليه أمر البت في هذه المراجعات وفقاً للقوانين المرعيّة الإجراء. وذكرت الزين أنه في المقابل لن تيأس الوزارة ولن تكفّ عن الدفاع عن المضيّ قدماً في رحلة الدفاع عن حقوق الخزينة، لذا أعدت مئات الردود على الاعتراضات والمراجعات التي وصلتها بالتنسيق مع الفريق القانوني للوزارة وهيئة القضايا في وزارة العدل. وأشارت إلى أن المواجهة الحالية بين الوزارة والقطاع ليست سهلة، فالعاملون في القطاع والمستفيدون منه يشكلون دائرة واسعة وممتدة على طول مساحة الوطن، وليس خافياً أن ثمة - للأسف - من يؤمّن لهم الدعم منذ عقود من الدولة ومن خارجها، وهم يبدون مرتاحين الى وضعهم، لذا يستشرسون في المواجهة في محاولة منهم لتجميد القضية أو لدفع الوزارة الى التراجع، وأنا أتعرض شخصياً لهجمات وضغوط وصلت الى حدّ التهديد المباشر ولكنني أقول لست في وارد التراجع لأن ذلك سيفسَّر على أن الوزارة تتخلى عن دورها وهي المعنية أصلاً بحماية البيئة وصحّة الناس. وبناءً على كلام الوزيرة الزين يبدو أن المواجهة الى مزيد من الحماوة، ولا شك في أن المجتمع المدني يترصّد مواقف المسؤولين وفي مقدمهم رئيس مجلس النواب نبيه بري وسواه من المسؤولين.