يفتح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مواجهة جديدة حول بنية النظام الدولي، وهذه المرة من بوابة مجلس الأمن، بعدما طرح تصورًا يقوم على إلغاء حق النقض "الفيتو" بالكامل وإنهاء العضوية الدائمة في المجلس، في خطوة اعتبر تقرير إسرائيلي أنها قد تحمل انعكاسات مباشرة على إسرائيل، إذ ستفقد الولايات المتحدة، في حال تطبيقها، قدرتها الحالية على إسقاط قرارات تستهدف تل أبيب باستخدام الفيتو. وبحسب تقرير للصحافي إيلي ليئون في صحيفة "معاريف" الإسرائيلية، استنادًا إلى مقال رأي نشره أردوغان في وكالة "بلومبرغ"، دعا الرئيس التركي إلى إجراء إصلاح تاريخي وشامل في الأمم المتحدة، يكون في صلبه إلغاء امتياز الفيتو الذي تتمتع به حاليًا الدول الـ5 الدائمة العضوية في مجلس الأمن. وأكد أردوغان في مقاله أن المؤسسات الدولية بصورتها الحالية أصبحت قديمة وغير قادرة على الاستجابة بفاعلية لأزمات العالم المعاصر. ويرى أردوغان أن الأزمات التي شهدها العالم في السنوات الأخيرة، من الأوبئة العالمية وأزمات الطاقة إلى اضطرابات سلاسل الإمداد والنزاعات الإقليمية، أثبتت أن ترك القرار بشأن معالجة أزمات العالم في أيدي عدد محدود من العواصم لم يعد يتلاءم مع الواقع الدولي الحالي. وأشار إلى أن مجلس الأمن لا يزال يعكس ميزان القوى الذي نشأ عقب الحرب العالمية الثانية، معتبرًا أن العالم يحتاج اليوم إلى آلية تمثيل أكثر فاعلية وعدالة وخضوعًا للمساءلة. وكتب أردوغان: "دعوتنا إلى أن العالم أكبر من 5 هي دعوة مفتوحة لتبني فهم أوسع للمسؤولية العالمية"، في إشارة مباشرة إلى الدول الـ5 الدائمة العضوية في مجلس الأمن، وهي الولايات المتحدة وروسيا والصين وفرنسا وبريطانيا. ولا يكتفي الرئيس التركي بالدعوة العامة إلى إصلاح المجلس، بل يطرح خريطة طريق تبدأ، بحسب رؤيته، بإلغاء امتياز الفيتو. وحذر من أن إضافة أعضاء دائمين جدد يتمتعون بالامتيازات نفسها لن تعالج مشكلة تركيز القوة في أيدي عدد محدود من الدول، بل ستؤدي، في رأيه، إلى توسيع البنية الطبقية الحالية بدل تغييرها. وفي المقابل، دعا أردوغان إلى تشكيل ائتلاف واسع داخل الجمعية العامة للأمم المتحدة حول مبدأ يقضي بألا تمتلك أي دولة صلاحية دائمة لتعطيل إرادة غالبية المجتمع الدولي. ويقترح أيضًا تعزيز صلاحيات الجمعية العامة بصورة كبيرة، وإعادة رسم العلاقة بينها وبين مجلس الأمن، بحيث لا تكون هناك عضوية دائمة أصلًا. وبحسب التصور الذي عرضه، يُنتخب جميع أعضاء مجلس الأمن من جانب الجمعية العامة لفترات زمنية محددة وبنظام تناوب، على أن تضطر أي دولة ترغب في ولاية إضافية إلى نيل ثقة غالبية الدول الأعضاء مجددًا من خلال عملية انتخابية شفافة. وبالنسبة إلى إسرائيل، فإن أهمية هذا الطرح تكمن، وفق قراءة "معاريف"، في أن إلغاء الفيتو الأميركي سيمنع واشنطن من استخدام هذه الصلاحية بالطريقة الحالية لحجب قرارات في مجلس الأمن تتعلق بإسرائيل. وهذا توصيف لآثار المقترح كما عرضها التقرير الإسرائيلي، وليس هدفًا ذكره أردوغان صراحة في مقاله. وينتقد أردوغان بشدة النظام الدولي القائم، معتبرًا أنه وعد البشرية بالسلام والاستقرار والازدهار المشترك، لكنه لم ينجح في منع اندلاع حروب جديدة أو تقليص الفوارق أو التكيف مع موازين القوى الجديدة. ويلفت إلى أن العقود الأخيرة شهدت صعود مراكز نفوذ جديدة في الاقتصاد والأمن والتكنولوجيا والدبلوماسية، في حين بقيت المؤسسات الدولية، بحسب رأيه، عاجزة عن مواكبة هذه التحولات بالسرعة نفسها. وفي ختام طرحه، يشير الرئيس التركي إلى الصعود الاقتصادي المتسارع لآسيا، وإلى ما يصفه بالمطلب المشروع للدول الإفريقية بالحصول على تمثيل أكبر يتناسب مع إمكاناتها وحضورها الدولي. كما يؤكد أن القضايا الإقليمية المعقدة لم يعد من الممكن حلها عبر فرض حلول من الخارج، داعيًا إلى مقاربات تستند إلى ظروف الدول المعنية وإرادتها ومصالحها المشتركة. ويقول أردوغان إن تركيا ستواصل استخدام شبكة علاقاتها الدولية وخبرتها في الدبلوماسية متعددة الأطراف لدفع هذا المسار الإصلاحي، بهدف بناء نظام عالمي يعتبره أكثر عدالة وقدرة على جمع خبرات وإمكانات وإرادة مناطق مختلفة من العالم. وقال في هذا السياق إن أنقرة تدعم "إلغاء امتياز الفيتو، ومنح الأعضاء المنتخبين وزنًا أكبر في عمليات اتخاذ القرار، وتعزيز دور الجمعية العامة". ويأتي طرح أردوغان في لحظة تتجدد فيها النقاشات حول إصلاح مجلس الأمن، إلا أن موقفه يصطدم مباشرة بمصالح الدول الدائمة العضوية. فقد رد الكرملين اليوم مؤكدًا أنه يؤيد إصلاح المجلس وتوسيعه، لكنه يتمسك ببقاء الأعضاء الدائمين وحق النقض، رافضًا بذلك جوهر الاقتراح التركي. وبذلك، لا يطرح أردوغان مجرد تعديل محدود في آلية عمل الأمم المتحدة، بل تغييرًا كاملًا لقواعد مجلس الأمن منذ تأسيسه، من إلغاء ا